استعادت الحكومة العراقية السيطرة على الأراضي التي كانت تحت سلطة تنظيم داعش عام 2017، بينما لم يستعد نازحو العراق (غادروا مناطقهم بعد استيلاء التنظيم عليها) حياتهم الطبيعية، أو شبه الطبيعية التي كانوا يأملونها.

المفقودون، المقابر الجماعية، الإعادة الإجبارية إلى مناطق ما زالت تفتقر لمقومات الحياة الآمنة؛ ماديّا ومعنويّا، فضلًا عن الإعادة الإجبارية إلى خيام مشدودة بأوتاد الشروط القهرية والاستغلال المركب لأزمتهم، هي كوابيس أرقت حياة النازحين العراقيين سواء في مخيماتهم أو بعد إعادتهم إلى مناطقهم الأصلية.

أكد مدير المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب، عمر الفرحان، على "تعرض النازحين إلى الابتزاز والتحرش والاعتقال التعسفي من قبل الأجهزة الأمنية والمليشيات، ووجود عمليات اغتيال نفذها مجهولون".

كما أفاد الفرحان في تصريح خاص لشبكة "الساعة"، بأن "المحافظات التي تعرضت إلى هجوم من قبل الميليشيات والقوات الحكومية (أثناء المعارك مع تنظيم داعش) مثل محافظات الأنبار وصلاح الدين ونينوى سُجّل فيها أكثر من 26 ألف مغيب".

وأضاف أن "مدينة الموصل وحدها سُجّلت أكثر من 8 آلاف مغيب؛ منهم لدى تنظيم داعش، والقسم الأكبر منهم مُغيّبٌ لدى الحكومة والميلشيات".

وتابع "بلغ عدد المغيبين في قضاء الدور بمحافظة صلاح الدين من قبل الميلشيات فقط؛ أكثر من 15 ألفاً، معظمهم تمّ تغييبُهم في سجون سرية، أما في محافظة الأنبار فهناك أكثر من 3 آلاف مغيب، وفي ديالى أكثر من ألفي مغيب".

أما المقابر الجماعية، فأكد الفرحان، وجود "أكثر من 200 مقبرة جماعية فضلاً عن وجود الجثث مجهولة الهوية التي أصبحت تشكل نمطًا شائعًا في العراق".

واتّهم الفرحان، الحكومة، بالتقصير في التعاطي مع ملفي المغيّبين والمقابر الجماعية، وقال إن "الجهود المحلية تكاد أن تكون معدومة".

وشدّد على أنه بسبب "إخفاء السلطات للمعلومات التي تخص السجون السرية والمعتقلين، يعجز المجتمع الدولي عن التدخل ".

الباحثة في منظمة "هيومن رايتس ووتش"، بلقيس والي، طالبت "السلطات العراقية بتحقيق ذي مصداقية إزاء الانتهاكات التي تخص النازحين، وبالأخص ملف المغيبين والمقابر الجماعية".

جاء ذلك في تقرير نشرته والي بعنوان "اكتشاف مقابر جماعية يبيّن فجوة الإفلات من العقاب على الجرائم الجسيمة في العراق".

وقالت والي في تقريرها "لا أتذكر عدد المرات التي وثقتُ فيها عمليات قتل مزعومة في العراق، ثم قرأتُ في الأخبار بعد أشهر أو سنوات أن مقبرة جماعية اكتُشفَت في مكان عمليات القتل تلك، مع ذلك لا أتذكر مرة واحدة حققت فيها القوات العراقية في أي قتل جماعي".

وروت الباحثة المهتمة بالشأن العراقي، تفاصيل زيارتها إلى مخيم "الإسحاقي" في محافظة صلاح الدين (وسط)، بعد مفاوضات دامت ساعات مع إحدى قوات الحشد الشعبي لاستحصال إذن الدخول، بحسب الباحثة.

وأكدت، أن إدارة المخيم كانت من قبل المسلحين، بعيداً على المنظمات الدولية والمحلية، "وكأنه سجن في الهواء الطلق"، على حد وصفها.

وأضافت أن "بعض النساء اللواتي أجرت مقابلات معهن أبلغنها خلسة عن اختفاء عدد من الرجال أحضرتهم قوات الأمن إلى المخيم بشهر واحد، وقالت إنه وقع تفجير في مكان قريب، فجمع المسلحون على الفور جميع الرجال الـ 52 الذين تتراوح أعمارهم بين 17 و57 عاماً، واتهموهم بأن لهم صلة بالتفجير، ثم أخذوهم مع بعض الصبية الأصغر سناً" مبينة أنه "لم يسمع أقاربهم عنهم بعد ذلك أو يعرفوا مصيرهم".

ويوشك العراق على إغلاق ملف النازحين بالكامل، بعد إعلان وزارة الهجرة عن إعادة نازحي 18 مخيماً، والعمل على إرجاع ما تبقى منهم.

يأتي إغلاق المخيمات وإعادة نازحيها إلى مناطقهم الأصلية، رغم تعرض البنى التحتية الأساسية فيها إلى دمار شامل نتيجة المعارك مع داعش قبل سنوات؛ إذ اندثرت أحياء بأكملها وسويت منازلها بالأرض وكسيت شوارعها بالذخيرة غير المنفجرة، والألغام الأرضية والفخاخ.