وصلت الاعتداءات على الكوادر الطبية العراقية في المستشفيات والعيادات الخارجية ذروتها على خلفية اغتيال الطيب أحمد طه المدفعي في قضاء بعقوبة بمحافظة ديالى، في ظل قانون متكامل لم يطبق على أرض الواقع.
وتسجل مستشفيات البلاد بشكل متكرر اعتداءات تطال الأطباء ومنتسبي القطاع الصحي، وسط ضعف واضح في تطبيق القوانين الرادعة لهذه الانتهاكات.
الاعتداءات دفعت بالكثير من أبطال الجيش الأبيض إلى الهجرة خارج البلاد للحفاظ على أرواحهم وذويهم، وللتخلص من الإجراءات العشائرية التي أثقلت كاهلهم، علاوة على القتل والأتاوات التي تفرض عليهم.
وتشهد البلاد الكثير من الاعتداءات على الأطباء من ذوي المريض، خصوصا إذا فشلوا في علاج مريضهم ظنا منهم أنهم تسببوا بخطأ أدى إلى وفاته.
نقص العلاج
قال دكتور الطوارئ في مستشفى السلام بالموصل، مثنى سليمان لشبكة "الساعة": "نواجه اعتداءات متكررة أثناء أداء عملنا من ذوي المريض خصوصا عندما نفقد المريض"
وأضاف أن "مشكلة الاعتداءات المستمرة سببها شحة الأدوية المتوفرة والأجهزة اللازمة لإسعاف المريض إذا أننا نحاول قدر الإمكان إنقاذ حياة المريض ألا أننا في بعض الحالات نفشل في ذلك".
وتابع أن "أكثر المشاكل التي واجهناها كانت أثناء فترة جائحة كورونا إذ يدخل المريض وهو يعاني من ضيق في التنفس ونقوم بعمل اللازم له وفي بعض الحالات نفقد المريض ويحصل علينا الاعتداء نتيجة لموقع أو مكانة الشخص عند ذويه".
مجاميع فوق القانون
وقال عضو مجلس المفوضين السابق في المفوضية العليا لحقوق الإنسان، علي البياتي، في تصريح خاص لشبكة "الساعة"، إن "موضوع الاعتداء على الأطباء فيه جانب عام وجانب خاص أما فيما يخص الجانب العام هو جزء من ضعف المؤسسات في هذا القانون وإجراءات العدالة في العراق وعدم خوف المواطن بشكل عام من القانون والاعتداء على الموظف يمثل اعتداء على الدولة".
وأضاف أن "وجود مجاميع كثيرة خارج إطار القانون أو ترى نفسها فوق القانون سياسية كانت أو عشائرية أو مجاميع مسلحة منها الفصائل وما إلى ذلك كل هذه توفر أجواء وظروف تجعل حماية الموظف أمر صعب وبالتالي يكون ضحية لهذه الاعتداءات".
وتابع أن "سوء الخدمات داخل المؤسسات الصحية وتلكؤ النظام الصحي في تقديم الخدمة الصحية، وعدم وجود نظام صحي، والفساد، وتردي البنى التحتية والأنظمة الصحية والخطط على أرض الواقع، جعلت المواطن غير راضٍ عن هذه المؤسسة وباعتبار الطبيب هو واجهة هذه المؤسسة بالتالي يتم التجاوز عليه".
وأردف البياتي "خطاب الكراهية في مواقع التواصل والإعلام يتزايد ضد مؤسسات الدولة لأسباب تتعلق في الإخفاق السياسي والفساد وسوء الخدمات وباعتبار الطب واحدا من الخدمات التي تتعلق بيوميات المواطن كل هذا يساعد على الاعتداء فضلاً عن عدم جدية وزارة الصحة في حماية كوادرها".
ولفت إلى "عدم جدية نقابة الأطباء في ملاحقة الجناة وفق قانون حماية الأطباء وبالتالي ترك الطبيب وحده أمام هذه الجهات وبقاء المحاكم العراقية ما بين رأي الطبيب المتروك لوحدة وتلكؤ الممثل القانوني في الحضور في أكثر الحالات وضغوطات الجناة كل هذا يساعد على بقائها داخل المحاكم دون حسم".
الطيب والمريض ضحية
من جانبها قالت القانونية زينب الساعدي لشبكة "الساعة"، إن "الاعتداءات المتكررة على الكوادر التي تعمل في المستشفيات هي نتيجة الإهمال الصحي المستشري في المؤسسات الصحية وبالتالي عندما يحصل هذا الإهمال سيكون عاملا ذا تأثير نفسي على المراجع أو المريض وبالتالي يحصل الاعتداء نتيجة هذا الاستفزاز".
وتابعت أن "الطرفين هما ضحية المريض والطبيب وعلى الدولة أن تعزز الدور الرقابي على المؤسسات الصحية لتقديمها الخدمات للمرضى".
وزادت الساعدي "ما يحصل من اعتداء بعض الأشخاص على الأطباء بدون عذر مبرر هو معاقب عليه في قانون العقوبات ولا يوجد نص من الدستور ينص على ذلك لأنها من الجرائم الخاصة وتحدد بعقوبات خاصة في القوانين الخاصة".
وأشارت إلى أن "كل اعتداء على طبيب يمثل جريمة يعاقب عليها القانون ويحال على أثرها الجاني إلى المحكمة المختصة لينال عقابه".
ولفتت إلى أن "معيار الإهمال أو الاعتداء يجب أن يشخص تشخيصا دقيقا سواءً كان من المريض أو ذويه أو الطبيب ففي بعض حالات يكون ذوو المريض معتدين وبعضها الأطباء يساعدون على مثل هكذا اعتداءات نتيجة إهمالهم تجاه المريض".
قانون بلا تطبيق
تكرار تعرّض أطباء العراق إلى العنف، دفع بالمشرّع العراقي إلى سنّ قانون حماية الأطباء.
ونص القانون على حماية الأطباء من الاعتداءات والمطالبات العشائرية والابتزاز عن نتائج أعمالهم الطبية، وتشجيع الأطباء المهاجرين على العودة إلى الوطن.
وتضمن القانون فقرة عدم جواز إلقاء القبض أو توقيف الطبيب المقدمة ضده شكوى لأسباب مهنية طبية إلا بعد إجراء تحقيق مهني من قبل لجنة وزارية مختصة.
وبحسب القانون تمنح وزارة الداخلية الطبيب إجازة حمل وحيازة سلاح شخصي (مسدس) بالتنسيق مع وزارة الصحة ونقابة الأطباء.
ويعاقب بالحبس مدة لا تقل عن 3 سنوات وبغرامة لا تقل عن عشرة ملايين دينار كل من يدعي بمطالبة عشائرية أو غير قانونية ضد طبيب عن نتائج أعماله الطبية.
المادة 6 من القانون نصت على أنه: يعاقب كل من يعتدي على طبيب في أثناء ممارسة مهنته أو بسبب تأديتها بالعقوبة المقررة لمن يعتدي على موظف أثناء تأدية وظيفته أو بسببها.
فيما ألزمت المادة 8 وزارة الداخلية بالتنسيق مع وزارة الصحة لفتح مراكز للشرطة مخصصة لحماية العاملين في المؤسسات الصحية التي تتطلب حماية خاصة باعتبار موقعها أو أعداد المراجعين أو ظروف المنطقة الموجودة فيها.
كما وألزم القانون وزارة الصحة متابعة الشكوى القضائية ضد المعتدي على الطبيب أثناء أداء واجبه الرسمي في المؤسسات الحكومية، فيما ألزم نقابة الأطباء بمتابعة الشكوى القضائية على من يعتدي على الطبيب أثناء أداء واجبه المهني في المؤسسات الصحية غير الحكومية.
ورغم إقرار قانون حماية الأطباء في العراق ألا أن الاعتداءات ما تزال مستمرة؛ كون الحكومة لم تطبقه على المعتدين خصوصًا فيما يتعلق بتصفية الأطباء عبر عدم الكشف عن المجرمين.
وشهد العراق خلال الفترة الماضية، فرض ما يسمى بـ "الدكة العشائرية" على الأطباء من العشائر التي فشلت الدولة في السيطرة على سلاحها وبالتالي يكون الطبيب مجبرا على الخضوع والامتثال لأوامر العشيرة.
ويتعرض العديد من الأطباء للاغتيال عبر عمليات تصفية ممنهجة، والتي كان آخرها اغتيال طبيب القلبية أحمد طه المدفعي وسط بعقوبة مركز محافظة ديالى، وسط اتهامات لفصائل مسلحة بتنفيذ عملية الاغتيال.
وذكرت صحيفة "الغارديان" البريطانية في تقرير سابق، أن "العنف أجبر عدداً كبيراً من الأطباء على مغادرة العراق"، فيما أكدت دراسة في العام 2017، أن "77٪ من الأطباء المبتدئين يفكرون في الهجرة خارج البلاد".
أما في العام 2019، فقد قال متحدث باسم وزارة الصحة العراقية، إن "20 ألف طبيب هاجروا بالفعل، وأن العنف كان سبباً رئيسياً وراء خطوتهم هذه".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام