17:20:23 2024-12-11 : اخر تحديث
10:27:20 2023-06-21 : نشر في
ياسين سليمان - شبكة الساعة الإخبارية (خاص)
في مثل هذا اليوم قبل 58 عاماً، نفذ عبد السلام عارف، رئيس وزراء العراق آنذاك، حكم الإعدام على رفيق دربه الزعيم عبد الكريم قاسم، بعد الانقلاب العسكري الذي لم يمهله إلا يوماً واحداً.
20 عاماً، من الصداقة جمعت عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف، الذي انقلبا على العائلة الملكية في العراق يوم 14 تموز/ يوليو عام 1958، ونفذا أبشع جريمة قتل في تاريخ العراق الحديث بحق الملك فيصل وعائلته والتمثيل بجثثهم وسحلها في شوارع بغداد.
كيف بدأت العلاقة الاستثنائية؟
التقى عبد الكريم قاسم مع عبد السلام عارف عام 1938 بساحة الكلية العسكرية ببغداد، وهو اللقاء الأول الذي جمع بينهما، ومن هنا بدأت خيوط الصداقة الأولى بين الأستاذ وطالبه، فقاسم الأستاذ الذي يُفضِّل عارف عن بقية الطلاب، وعارف الطالب المطيع الذي لا يرى قائداً ومعلماً غير قاسم.
استمرت العلاقة بين الصديقين حتى تخرّج عارف في الكلية العسكرية عام 1941، وافترقا، وعُيّن عارف بعد تخرجه قائداً لإحدى سرايا المدرعات ببغداد، وشارك في ثورة رشيد عالي الكيلاني تعرف بـ"ثورة مايس" عام 1941، التي قامت اعتراضاً على تبعية الأمير عبد الإله بن علي الهاشمي الوصي على العرش لبريطانيا.
افترق الصديقان وذهب كلٌّ منهما بعيداً عن الآخر، لكن الحياة العسكرية جمعتهما مرة أخرى في مدينة كركوك، وشاركا عام 1948 معاً في حرب فلسطين، فقد أُرسل قاسم إلى مدينة "كفر قاسم"، بينما ذهب عارف إلى مدينة "جنين"، وهناك استمرت اللقاءات بينهما نظراً لصغر المسافة بين المدينتين، وبعد انتهاء الحرب عادا معاً إلى العراق، وتوطدت الصداقة بينهما أكثر.
وفي عام 1956، عاد عارف إلى العراق بعد المشاركة في دورة عسكرية أقيمت في ألمانيا، واجتمع مع قاسم من جديد، وبسبب الصداقة القوية بينهما ضمّه قاسم عارف إلى تنظيم "الضباط الأحرار"، رغم رفض أعضاء التنظيم.
التخطيط والتنفيذ
خطط عبد الكريم قاسم لانقلاب 14 يوليو/ تموز 1958 وكتب أول بيان، وأذاعه عارف وهو المسؤول عن تنفيذه رغم تردد أعضاء التنظيم للقيام بالانقلاب، لذلك قرّر عارف وقاسم ومعهما العقيد عبد اللطيف الدراجي السعي لعرقلة اجتماعات اللجنة العليا، وافتعال المشكلات لحرصهم على تنفيذ الانقلاب بمفردهم وعدم إخبار أحد.
ونفذ الانقلاب عدد قليل من أعضاء التنظيم، بقيادة عارف وقاسم، وعرف باقي أعضاء التنظيم به عن طريق الإذاعة، ونجح الانقلاب في الاستيلاء على الحكم والإطاحة بالملكية.
انفرد قاسم وعارف بالحكم وقاموا بتوزيع المناصب بينهم وبين الضباط المشاركين معهم بالانقلاب، وتولى قاسم مناصب رئيس الوزراء ووزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة، وتولى عارف منصبَيْ نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية.
صادرة الحكومة الجديدة أموال وأملاك العائلة المالكة، وتخلصوا منهم بالقتل رمياً بالرصاص، على رأسهم الملك "فيصل الثاني" ولي العهد، والأمير "عبد الإله" الوصي على العرش، وتم التمثيل بجثثهم وسحلها في الشارع، ثم انتهى بهم الحال بدفن جثة الملك فيصل في حفرة، أما جثة عبد الإله فأُحرقت وأُلقي بها في نهر دجلة، وبذلك انتهى العهد الملكي وبدأت مرحلة الحكم الجمهوري بالعراق الملطخ بالدماء.
وخلال سنوات حكمه، نفذ عبد الكريم قاسم، الذي أعطى لنفسه 54 لقباً، جرائم وفضائع بحق الشعب العراقي، منها إعدام عشرات الضباط والجنود والعسكريين والمدنيين حتى المقربين منه، بدأ بالذين ساعدوه في تنفيذ انقلابه على العائلة الملكية.
ومع تنفيذ قاسم لهذه الجرائم كان الشيوعيين يهتفون في شوارع بغداد: "عيني كريم للإمام.. ديمقراطية وسلام"، و"ما كو مؤامرة اتصير.. والحبال موجودة"، وإعدم إعدم.. لا تكول ما عندي.. وقت أعدمهم الليلة"، و"أرواح الشعب فدوه لابن قاسم"، حتى ان الشاعر الجواهري قال في قصيدته مخاطباً "الزعيم الأوحد" كما يسميه مؤيدوه:
فضيق الحبل واشدد من خناقهم *** فربما كان في إرخائه ضرر
صراع المصالح وبداية الخلافات
أثارت العلاقة بين عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف الاستثنائية، استغراب ضباط التنظيم، لكنها لم تستمر سوى شهور بعد انقلاب تموز/ يوليو، فسرعان ما نشبت الخلافات بينهما بسبب طموح قاسم وعارف في السيطرة على السلطة.
حاول عارف إبراز نفسه بأنه مفجّر الثورة الحقيقي من خلال زياراته ولقاءاته الصحفية والتلفزيونية، وهو يتحدث عن نفسه وعن إذاعته لبيان الثورة، بينما لم يذكر حتى اسم قاسم، فيما يرى قاسم أنه القائد والأب الروحي والمخطط للثورة، لذلك جمع سلطات رئيس الوزراء ووزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة وعطّل مجلس السيادة وألغى تشكيل المجلس القومي لقيادة الثورة.
تفاقمت الخلافات بعد إصرار كلِّ منهما على وضع أصدقائه المقربين في المناصب المهمة، بالإضافة عن اختلاف التوجهات الفكرية لكل منها. وحاول عارف التخلص من قاسم بأكثر من عملية اغتيال، وأحيل عارف إلى المحاكم العسكرية بتهمة محاولة الانقلاب واغتيال قاسم، وحكم عليه بالإعدام شنقاً عام 1959.
ظل قرار إعدامه في مكتب قاسم دون تصديق أو إعفاء، حتى أرسل عارف رسالة إلى قاسم من السجن قال فيها: "سيدي وقائدي وأخي الزعيم عبد الكريم.. إنني منك كهارون من موسى، لقد طال انتظار عطفك عليّ ورأفتك بي.. إن أطفالي ينتظرونني"، قيل إن هذه الرسالة كانت سبباً في إصدار قاسم قرار العفو عنه في عام 1962، ووُضِع تحت الإقامة الجبرية.
تحركات عارف للانتقام
قرّر عارف الانتقام من قاسم والانقلاب عليه وهو في إقامته الجبرية، وسط تحركات شعبية مناهضة لقاسم؛ بسبب انفراد قاسم بالسلطة و"إبعاد كل القوى القومية عن السلطة والتنكيل بها"، ثم محاولة الانقلاب الفاشلة أو ما تعرف بـ"ثورة الشواف" التي نفذها الضابط عبد الوهاب الشواف ضد قاسم، وأعدم على إثرها 22 شخصاً اتهموا بالاشتراك في محاولة الانقلاب.
قمع قاسم لحركات التمرد والانتفاضات الكردية، ومطالبته بضم الكويت للعراق والرفض العربي لنظامه، كان سبباً في انهيار شعبيته داخلياً، وبدأت حركات الاحتجاج تتزايد ضده داخل البلاد.
قادت هذه الأحداث عارف للانقلاب على قاسم يوم 8 شباط/ فبراير 1963 والسيطرة على مقاليد الحكم، بمساعدة حزب البعث، الذي أسّسه فؤاد الركابي عام 1952، بالتعاون مع التيارات القومية وبعض العسكريين المستقلين، وأحمد حسن البكر، الذي أصبح بعد ذلك رئيساً للوزراء ثم رئيساً للعراق.
وقاسم الذي لم يُنفذ حكم الإعدام بحق عارف، ناشد الشعب العراقي ليلة انقلاب 8 شباط/ فبراير 1963 للوقوف ضد ما أسماهم "الخونة الغادرين" و"الاستعمار وأعوانه" و"سحقهم"، لكن هذه الكلمات لم تُبث خارج إذاعة "قصر الزهور"، لينقض عبد السلام على رفيقه بالأمس وينهي بهذا الحدث صداقة استثنائية عمرها 20 عاماً.
في اليوم الثاني للانقلاب أحكم عارف السيطرة على مبنى وزارة الدفاع، وهنا ذُكِرت أكثر من رواية؛ منها "أنه تم الاتفاق بين قاسم وعارف بتوقف الأول عن القتال مقابل محاكمة قاسم محاكمة عادلة"، والرواية الأخرى هي "استسلام قاسم".
وتذكر روايات أخرى أنه دار حوار بين قاسم وعارف قبل إعدامه؛ وسأل الأول الثاني قائلاً: "هل هذه النهاية هي مقابل الرحمة والعطف الذي شملتها بك؟ فأجابه عارف متلعثماً بأن الأمر خارج يده".
ورغم اختلاف الروايات، يجمع الكثير أن حكم الإعدام على قاسم والضباط المرافقين له صدر بعد محاكمة شكلية عاجلة في اليوم الثاني للانقلاب، وهم "فاضل المهداوي"، و"طه الشيخ أحمد"، و"كنعان حداد"، رمياً بالرصاص داخل مقر إذاعة دجلة ببغداد، وبث مشاهد التمثيل بجثثهم ومعهم قاسم عبر شاشة التلفزيون الرسمي، لتأكيد التخلص منهم وتنصيب عارف رئيساً للبلاد.
مشاهد إعدام العائلة الملكية تنفذ بقاسم
أعدم عبد الكريم قاسم وضباطه ظهيرة يوم 9 شباط/ فبراير 1963، رميًا بالرصاص في مبنى الإذاعة، ليظل من أكثر الشخصيات التي حكمت العراق إثارةً للجدل، يراه مؤيدون بأنه "زعيمًا عادلًا"، فيما يتهمه معارضوه بالمسؤولية عن جريمة تصفية العائلة الملكية، بعد ثورة 14 تموز/ يوليو 1958، التي مكنت قاسم من الحكم.
ظل ملف إعدام قاسم مفتوحاً لسنوات، حتى أغلق رسمياً عام 1978 واعتبر شهيداً منذ ذلك التاريخ، وتمتعت عائلته بكل حقوق ذوي الشهداء.
بعد شهور من تولي عارف الحكم، استغل الخلافات داخل حزب البعث ونفذ انقلاباً على من تبقى من المقربين من قاسم في 18 تشرين الثاني/ نوفمبر 1963 ووضعهم في السجن، وتخلص أيضاً من العسكريين الذين ساعدوه في الوصول للحكم.
انفرد عارف بالسلطة مثلما فعل قاسم، وظل فيها حتى وفاته في 13 نيسان/ أبريل 1966 في حادث غامض إثر سقوط طائرة كان يستقلّها بمنطقة القرنة بعد عودته من زيارة لمحافظة البصرة جنوب العراق. وقيل إن للبعثيين دوراً في قتله، ومع تعدُّد الروايات تظل وفاة عبد السلام عارف غامضة حتى اليوم.
وبعد عام 2003 وما تبعه من اهتزازات في المنطقة، يرى الكثير من المؤرخين والباحثين أن انقلاب 14 تموز/ يوليو 1958، الدموي الذي أطاح بالسلطة الملكية الشرعية، فاتحة انقلابات العراق الدموية العسكرية وصار نموذجاً لكل مغامر يريد الاستئثار بالسلطة.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على التليكرام2024-07-24 11:29:54
محامية عراقية ضمن حملة ترامب!
2024-07-24 11:25:30
الحكومة العراقية تنفي صلتها بصفحات "التطبيل"
2024-07-24 11:21:23
طائرات مسيرة تجوب سماء العاصمة بغداد وتقصف مخزن أسلحة يتبع فصيلا مسلحا
2024-07-24 11:17:27
اتهامات للسياسيين السنة بالمتاجرة بنازحيهم