بدأت تصنف العملية السياسية في العراق بعد العام 2003 على أنها خالية من المبادئ والثوابت المتعارف عليها في كل دول العالم، فقد شهدت الأحزاب العراقية انسحابات وانشقاقات كبيرة لأعضاء تلك الحركات والكيانات السياسية؛ لتضارب المصالح الشخصية، بحسب المراقبين.

الانسحابات والانشقاقات دفعت برؤوساء الأحزاب والكيانات السياسية إلى أخذ مواثيق وتعهدات قد تختلف عما موجود في كل بلدان العالم كتصوير السياسي وهو يحلف على المصحف (القرآن الكريم) كما حصل مع وزير الصناعة الأسبق صالح الجبوري (المنتمي لحزب الجماهير الوطنية بزعامة أحمد عبد الله الجبوري أبو مازن) أو منصور المرعيد محافظ نينوى السابق.

تلك المواثيق والتعهدات التي تأخذ من المرشحين أو السياسيين الذين يريدون الانتماء إلى الأحزاب الحاكمة في البلاد منذ العام 2003 لاقت مؤخرًا موجة انتقادات لاذعة على خلفية إقالة أو استقالة عضو البرلمان العراقي ليث الدليمي (منتمي لحزب تقدم برئاسة محمد الحلبوسي).

الدليمي قال: إن الاستقالة التي وقعها الحلبوسي قديمة ومنذ الدورة الرابعة وقد زور توقيعي، إلا أن مراقبين أكدوا أن الدليمي والكثير من أعضاء حزب تقدم وقعوا استقالتهم وقدموها للحلبوسي كورقة ضغط تمنع انشقاقهم مستقبلاً.

الغريب في الأمر ورغم أن الحادثة لاقت انتقادًا لاذعًا من مراقبين وناشطين، إلا أن القضاء العراقي إلى الآن لم يحرك ساكنًا واكتفى بفتح تحقيق في كل مرة دون الكشف عن نتائج التحقيقات أو اتخاذ قرارات حول الفيديوهات والمقاطع الصوتية أو الاستقالات الموقعة مسبقًا في حال كانت مخالفة للقانون أو حتى العرف السياسي المتعارف عليه في البلاد.

وحول استقالة النواب قال الخبير القانوني علي التميمي، في تصريح لشبكة "الساعة"، إن "النص القانوني الوارد في المادة 1 من قانون استبدال النواب رقم 49 لعام 2007 التي قالت في المادة 3 من القانون 6 لسنة 2006 وأبقت مسألة الإقالة والاستقالة للنائب موجبة للتصويت من البرلمان بالأغلبية المطلقة لعدد الأعضاء ولا اجتهاد في مورد النص".

وتابع التميمي "حتى لو كانت الاستقالة قدمت في العطلة التشريعية فان النص يوجب عرضها على البرلمان بعد انتهاء العطلة التشريعية أو بعقد جلسة استثنائية".

وأضاف أن "النائب يعتبر مكلفا بخدمة عامة وفق المادة 2 لسنة 24 لسنة 1960 والمادة 19 من قانون العقوبات العراقي".

وبين أن "المادة 35 من قانون الخدمة المدنية 24 لسنة 1960 أوجبت على المرجع الإداري البت في الاستقالة خلال 30 يوما وإذا لم يصادق وتراجع الموظف عن الاستقالة واستمر بالعمل فأنها تعتبر ملغاة لأنها تنبع من الإرادة الشخصية".

وأوضح أن "الاستقالة عندما تقدم إلى رئيس البرلمان توجب منه إصدار أمر ديواني بها ومفاتحة المفوضية العليا للانتخابات لإرسال اسم البديل وفق المادة 15 من قانون الانتخابات 9 لسنة 2020 عن أفضل الخاسرين في الدائرة الانتخابية".

وذكر التميمي أن "في حالة المخالفة لهذه الإجراءات تكون قابلة للطعن أمام المحكمة الاتحادية وفق المادة 93 ثالثا من الدستور العراقي وهو المتعلق بالفصل في المنازعات التي تنشأ عن تطبيق القوانين والأنظمة والتعليمات وقراراها في الأمر بات وملزم السلطات كافة وفق المادة 94 من الدستور العراقي".

بدوره؛ أكد الباحث بالشأن السياسي، غازي فيصل لشبكة "الساعة"، أن "الاستقالات للنواب سبق وإن قدمت للسيد رئيس مجلس النواب (محمد الحلبوسي) وحفظت لديه بمعنى وجود قبول ورضى من أعضاء مجلس النواب على تقديم الاستقالة تحت يد السيد الحلبوسي".

وأضاف أن "موقف القضاء هذا يعود إذا ما قدمت اعتراضات قضائية للنظر بهذه الطريقة من تقديم الاستقالات مسبقا وممكن أيضا حتى المحكمة الاتحادية تنظر إلى هذا الموضوع في حال تقديم شكوى ضد الإجراء الذي قام به الحلبوسي إذا ما كان متناقضا مع النظام أو اللائحة الداخلية لمجلس النواب".

تابع فيصل "ومن ثم البت في دستورية أو شرعية هذا الإجراء الذي أوصل النائب إلى تقديم الاستقالة طبقا لإجراءات قد تتناقض مع الدستور والقانون".

علي الصاحب رئيس المركز الإقليمي للدراسات، قال لشبكة "الساعة"، إن "الممارسة التي أتعبها السيد الحلبوسي مع أحد أعضاء كتلته والنائب المنتخب في البرلمان العراقي هي ممارسة دكتاتوريه ناتجه عن نظرة إقطاعية مقيتة".

ووصف الصاحب "تقديم الاستقالة بغير القانونية والمرفوضة جملة وتفصيلا".

وأضاف أن "إجبار أعضاء الكتلة الفائزين بالانتخابات التشريعية على تقديم استقالات بدون تواريخ هي قرصنة منبوذة ومخالفة صريحة للدستور والقانون وعلى القضاء العراقي ألا يجامل في محاسبة من قام بهذا الفعل الشنيع".

واختتم رئيس المركز الإقليمي قوله: "ما قام به الحلبوسي من إجبار بعض النواب بكتابة استقالتهم هو ابتزاز سياسي واضح كي يكون النائب مقيد الفكر والقول ويمتثل لرئيسه وليس لما تقتضيه المصلحة العامة".

وفي 15 من الشهر الجاري، أصدر رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي، اليوم الأحد، أمراً نيابياً بإنهاء عضوية النائب ليث الدليمي، فيما الأخير على القرار بأنه "دكتاتورية".

وعلى إثر القرار، طالب الدليمي أعضاء مجلس النواب والكتل النيابية بموقف رادع من الدكتاتورية والانفرادية والاستهداف المستمر واستغلال السلطة.

وفي 19 آب/أغسطس الماضي، نشر الصحفي العراقي، علي فاضل، مقطعا مصورا، لمحافظ نينوى السابق منصور المرعيد، وهو يقسم على نسخة المصحف الشريف بأن يدير المحافظة وفقا لتوجيهات حزبه.

وفي وقت سابق، نشر علي فاضل أيضًا تسجيلا مصورا لصالح الجبوري وهو يؤدي القسم للولاء والطاعة التامة للنائب أحمد الجبوري (أبو مازن) بالتزامن مع ترشيحه لمنصب وزير الصناعة في حكومة عادل عبد المهدي.

وإلى الآن، لم يعلن القضاء العراقي نتائج التحقيقات في التسريبات السابقة واللاحقة، خصوصًا التسريبات الصوتية المنسوبة الى رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، المتضمنة تهديدات للسلم المجتمعي وتحريضا على العنف والطائفية في البلاد.