بعد فترة هدوء نسبي، عاد التوتر الأمني مجدداً في العراق، بهجومين في كركوك وديالى خلال يومين على التتابع، وهما أبرز خرق أمني في عهد حكومة محمد شياع السوداني، فعلى ماذا يدلل عودة التوتر الأمني إلى الواجهة؟ 

الهجوم الأول جرى بعبوة ناسفة استهدفت دورية للشرطة في قرية علي السلطان التابعة لناحية الرياض جنوب غربي كركوك، الأحد الماضي، وأسفر عن مقتل 9 أفراد بينهم ضابط برتبة رائد، في حين أصيب شرطيان آخران بجروح خطيرة.

هجوم كركوك تبناه تنظيم "داعش"، وهو الأعنف بعد سلسلة عمليات أمنية شنتها القوات الأمنية طيلة الأشهر الماضية ضد خلايا التنظيم في منطقة تعرف بـ"مثلث الموت" وتقع على حدود محافظات ديالى وصلاح الدين وكركوك.

أول أمس الاثنين، وقع الهجوم الثاني، واستهدف خلاله مسلحون مجهولون قرية البوبالي التابعة لقضاء الخالص بمحافظة ديالى، وأسفر عن مقتل 8 مدنيين وإصابة 3 آخرين، بينهم شخص بجروح بليغة، واتهم الأمن تنظيم "داعش" بالوقوف خلفه. 

الهجومان تسببا بقلق كبير لدى الشارع العراقي، وفتحا الباب على تساؤلات حول تجدد الخروقات الأمنية وتداعياتها ومآلاتها.

 

هشاشة أمنية 

في هذا السياق، يعتقد الخبير الأمني والسياسي د. هيثم الخزعلي، أن هناك احتمالين وراء نجدد التوتر الأمني، الأول.. هو إرباك الوضع للضغط على حكومة السوداني وخلق انطباع بعدم سيطرتها على الوضع الأمني.

ويبين الخزعلي في حديث مع شبكة "الساعة"، أن الاحتمال الثاني هو صراع حزبي لإرباك الوضع الأمني، من أجل الحصول على تنازلات سياسية تتعلق بصراعات القوى السياسية.

من جهته يقول الكاتب والمحلل السياسي عبد الملك الحسيني، إن تزايد الهجمات تدلل على هشاشة الوضع الأمني في العراق وأن الخطط الأمنية المعمول بها تحتاج لإعادة نظر، "وهنا لا نريد أن نقلل من الجهد الأمني والاستخباري للقطعات الأمنية العراقية ولكن في نفس الوقت لا يمنعنا ذلك من تشخيص الخلل".

ويردف الحسيني، أن تعدد الواجهات الأمنية في المحافظات العراقية دون خضوعها لقرار مركزي يتبع قيادة واحدة، تعد من الفجوات الخطيرة التي يستغلها "داعش" لتنفيذ هجماته وارتكاب جرائمه بحق العراقيين، "لذا لابد من معالجة هذا الأمر بأسرع وقت وإلا فإن مناطق المحافظات المحررة ستبقى عرضة لمثل هذه الهجمات".

ما يلفت الانتباه، أن الهجومين وقعا بالتزامن مع مناقشة القوى السياسية إخراج الفصائل المسلحة من المدن السنية، وتسليم الأماكن التي تتواجد بها للقطعات الأمنية. 

 

صراع سياسي وتطهير للمؤسسة الأمنية؟

بحسب حديث عبد الملك الحسيني لشبكة "الساعة"، فإن الوضع السياسي غير المستقر وتفاقم الخلافات السياسية لها انعكاسات سلبية على الوضع الأمني وتساعد في حصول الخروقات الأمنية، كالتي حصلت في كركوك وديالى؛ لأن مثل هكذا وضع هو من يبحث عنه "داعش" ويعده بيئة خصبة لنمو خلاياه، ولأن معادلة الاستقرار السياسي تؤدي بالضرورة لاستقرار أمني واقتصادي، لذلك فإن الخلافات السياسية بمجملها تصب في خدمة الفوضى.

بدوره يبين الخبير الأمني علاء النشوع في حديث لشبكة "الساعة"، أن "كل المعطيات توحي بأن داعش يتحرك وفق منهجية وحيثيات الأوراق السياسية التي تستخدم ما بين الكتل لتضغط إحداهما على الآخر خدمة للأجندات الإقليمية والمصالح الحزبية والشخصية، مع غياب الاستراتيجيات الوطنية في وضع آليات المواجهة مع أي تحد داخلي وخارجي".  

مؤخراً جرت تغييرات أمنية ضخمة، وحصلت في قواطع حساسة، وهي بمثابة "تطهير سياسي"، بحسب تقارير صحفية تابعتها شبكة "الساعة"، حيث تم تغيير مواقع أكثر من 30 ألف ضابط ومنتسب في الداخلية بينهم، ضباط برتبة عميد، وتغييرات أخرى في مفاصل أعلى مستوى في وزارة الدفاع، وكل ذلك حدث في آخر أسبوعين فقط.

علاء النشوع يوضح أن، "قضية السيطرة على الموسسات الأمنية والاستخبارية والمخابراتية من قبل الفصائل الموالية لإيران، ينذر بأخطار وخيمة ومدمرة لكل الحقوق المدنية والشخصية وتهديد للأمن القومي العراقي، عبر محاولة نسخ التجربة الإيرانية في سيطرة الحرس الثوري على كل مقاليد ومقومات الدولة وتحويلها إلى حكم الولي الفقيه".  

كان المهاجمون على قرية البوبالي، قد جاءوا سيراً على الأقدام من جانب قرية مجاورة تدعى قرية الجيالة، بحسب شهادات أهل القرية، ووفق السكان، فإن القرية الأخيرة كان ينشط فيها "تنظيم القاعدة" قبل أن يتم تطهيرها وعودة الأوضاع إلى طبيعتها في 2008.

يؤكد النشوع: "نحن بحاجة إلى أن تكون هناك توضيحات وشرح مفصل لما يحدث في العراق من هرطقات سياسية وبرامج حكومية لا تقترن مع حقيقة الفعل والتنفيذ"، مردفاً أن "حكومة السوداني هي على شاكلة الحكومات السابقة التي تخدم الأجندات الخارجية وتعمل بمنهجية حزبية ولا ترتقي أن تكون قادرة على امتلاك مقومات دولة ومعطيات سيادية". 

 

"حرب أشباح"

اللافت في الهجمات الأخيرة أيضا، أنها أتت بعد مقتل زعيم "داعش" أبو الحسن الهاشمي القرشي، منتصف الشهر الجاري، ما يفتح الباب أمام إمكانية أن تكون هذه الهجمات ردة فعل من قبل التنظيم على مقتل زعيمه.

ضياء الوكيل، وهو مستشار وناطق رسمي سابق لمكتب القائد العام والدفاع والعمليات، يقول في حديث لشبكة "الساعة"، إن "تزايد الهجمات مؤخرا وتكرارها في أكثر من منطقة بوقت متقارب (كركوك، ديالى، الطارمية)، لا يمكن وصفها إلا بأنها (حرب بلا جبهة والعدو فيها مجهول)، بمعنى حرب خفية أو حرب أشباح وعصابات يكتنفها الكثير من الغموض".

ويردف الوكيل، أن ما يدلل على ذاك، "هو أن غالبية الهجمات تنتهي بفرار المهاجمين أو مقتل بعض عناصرهم، وهذه المناطق الداكنة في صورة المشهد الأمني المضطرب، تجعل من رواية الأحداث قصّة ناقصة أو غير مقنعة، وتفتقد الكثير من الأدلّة المادية والمعلومات لتحديد الجهة المهاجمة إن كانت داعش أو غيرها".

ويشير إلى أن "تنظيم داعش غير قادر من الناحية اللوجستية والتعبوية على نصب كمين محكم كالذي نفذ في محافظة كركوك والبو بالي في ديالى؛ لأن الكمين يحتاج إلى رصد وتخطيط وإعداد وإشراف وتمويل وتوزيع أدوار وعجلات وأسلحة وأعتدة وعناصر مدربة وتحصين وحماية وانقضاض ومباغتة وحركة وانسحاب سريع لملاذات محددة مسبقاً.

 

"داعش" بلا إمكانيات

الوكيل يضيف: "أشكّ أن داعش يمتلك مثل هذه الإمكانيات، وخلاف ذلك يعيدنا إلى مربعات أمنية سابقة تضعنا في مواجهة خلل أمني خطير، واختراق استراتيجي غير واقعي في ظل معادلات ومناسيب قوى محسومة ميدانيا". 

ويختتم بأن، "هذا الموضوع تحسمه المعلومات والتحقيقات والأدلة وليست التصريحات، وأحد أهم مصادر المعلومات هم الإرهابيون أنفسهم، ولذلك فإن اعتقال الإرهابي من وجهة نظر عسكرية وأمنية أهم مئة مرة من قتله، لأنه مصدر مهم للمعلومات التي تستند اليها أبنية الحقائق".

وكان مسلحون، هاجموا يوم الأربعاء الماضي بلدة الطارمية شمالي بغداد، وقتل نقيب في الجيش فيما أصيب اثنان من مرافقيه أثناء مهاجمة دوريتهم بعبوة ناسفة، وبعد 4 ايام نُفذ هجوم كركوك في منطقة الرياض.

ما يمكن قوله، إن الطارمية والرياض تلتبس فيهما نتائج عمليات التطهير الطويلة والمستمرة في آخر نصف عقد، خاصة مع انتشار الفصائل المسلحة هناك.

أما قرية البوبالي التي حدث فيها الهجوم الأخير، فتقع عندها تلال حمرين، أحد أشهر معاقل "داعش"، وهي حام كل عنصر في التنظيم؛ نظراً لوعورتها وتعقيداتها الجغرافية.