منذ مقتل قائد فيلق “القدس” في “الحرس الثوري الإيراني“، قاسم سليماني، إلى جانب رئس أركان هيئة “الحشد الشعبي” أبو مهدي المهندس، بغارة أميركية في العاصمة العراقية بغداد مطلع العام 2020، برزت إلى الواجهة عدة جماعات بمسميات مختلفة. منها؛ “أصحاب الكهف“.
بروز هذه الجماعات التي تتشارك بالصفات والسلوك، وأيضا بطبيعة النشاط، تزامن مع تصاعد الحملة الأميركية ضد نفوذ الفصائل الشيعية في سوريا والعراق، لا سيما على الخط الحدودي الرابط بين الدولتين والتي اشتدت في العام 2019، إذ تم استهداف عدة مواقع عسكرية لها، وهو ما اعتبره قادة تلك الفصائل مشروع للقضاء على “الحشد الشعبي“.
بطبيعة الحال، إن الاستهدافات الأميركية طالت مواقع لفصائل مثل “كتائب حزب الله” العراقي، و“عصائب أهل الحق“، وغيرها من الجماعات المسلحة لكن وبكونها جزءا من منظومة “الحشد” اعتبر استهدافا لـلمؤسسة باعتبارها إحدى المؤسسات الأمنية العراقية، ما وضع الحكومة أمام حرج كبير.
مشهد اضطر الحكومة العراقية لتنظيم انتشار وانتساب قوات “الحشد الشعبي“، وإعادة تموضع مقاره العسكرية إضافة إلى تحديد حركته، وسط اتهامات مباشرة من قبل واشنطن بضلوعه في خدمة المشروع الإيراني. دفع بشكل كبير تلك الفصائل لإنشاء مسميات جديدة بعيدة عن عناوينهم الصريحة، تأخذ على عاتقها تبني كل ما يقع ضمن المحظور، لكنها وعلى ما يبدو لم تكن تهدف لتحقيق رواجا يذكر، قبل أن تأتي حادثة مطار بغداد، التي قتل فيها سليماني والمهندس.
بعد الحادثة، توعد زعماء الفصائل بالثأر لمقتل القائدين، لكن وعلى ما يبدو مع ارتباط فصائلهم بالمنظومة الأمنية العراقية، لم يضع أمامهم خيارا سوى الاستعانة بالمسميات المجهولة، والتي دائما تعرف نفسها بفصائل “المقاومة“، لتبزر بشكل كبير عدد من المسميات وعلى رأسها “أصحاب الكهف” في استهداف المصالح الأجنبية في العراق.
جماعة أصحاب الكهف
نشطت تلك الجماعات في موقع التواصل الاجتماعي “تلغرام“، وبدأت بإنشاء قنوات خاصة بها، تتبنى وتروج من خلالها لعمليات ما تسميها بـ “فصائل المقاومة“، التي ركزت عل استهداف قوافل الدعم اللوجستي لقوات التحالف الدولي بعبوات ناسفة، إضافة إلى هجمات صاروخية وطائرات مسيرة ضد مواقع التواجد الأميركي، بخاصة السفارة الأميركية ببغداد، والتي يعتقد أن “أصحاب الكهف“، قد نفذت من بين تلك الهجمات ضد السفارة واحدا على الأقل.
بيد أنه ومع التطورات السياسية في البلاد، تراجعت أنشطة تلك الجماعات بشكل ملحوظ، قبل أن تعود “أصحاب الكهف” لتعلن مسؤوليتها عن مقتل مواطن أميركي وسط بغداد مساء الاثنين الماضي، وذكرت في بيان أن عملية قتل ستيفن ترول جاءت “انتقاما لمقتل الجنرال قاسم سليماني، وأبو مهدي المهندس نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي“، وهو ما أعاد السؤال عن طبيعة هذه الجماعة إلى الواجهة مجددا.
لطالما عدت الجماعة المسلحة المعروفة باسم «أصحاب الكهف» فصيلا غامضا منذ أن ظهرت للمرة الأولى عام 2019، ورغم أنها تمثل واجهة لأحد الفصائل النافذة، فإن غالبية التحليلات تشير إلى أنها “جندي” ينفذ أجندة تشكل جميع الجهات المسلحة التي ترفع شعار المقاومة” في البلاد، وفقا لتقرير نشرته صحيفة “الشرق الأوسط” أمس الثلاثاء.
الصحيفة أشارت إلى أنه وقبل نحو عامين، برز تفسير سياسي لنشاط هذه المجموعة، على أنها ساعدت فصائل مثل “عصائب أهل الحق” بزعامة قيس الخزعلي، و“كتائب حزب الله” لتنفيذ هجمات بالوكالة، واستخدام تلك الأحداث أوراق ضغط سياسي على الأميركيين، والخصوم المحليين في العراق.
علاقة “أصحاب الكهف” بـ “العصائب” ظهر واضحا في 25 كانون الثاني/يناير 2020، حين انضمت “أصحاب الكهف” إلى حملة منظمة للإفراج عن أحد عناصر “العصائب“، وأكدت استعدادها للنزول إلى الشارع إذا أمرت جماعة قيس الخزعلي بذلك.
لماذا “العصائب” ؟
بينت دراسة لـ “معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى“، أن مسمى “أصحاب الكهف” أكثر استخداما من قبل الفصائل المدعومة من إيران لإخفاء تورطها في العمليات العسكرية وأكثرها شهرة. ويرتبط هذا التنظيم ارتباطا وثيقا بشكل خاص بـ “عصائب أهل الحق” وأمينها العام قيس الخزعلي.
الدراسة أشارت إلى أن “أصحاب الكهف” تتبنى مسؤولية الهجمات التي تنفذها الفصائل، لافتة إلى أنها تتواصل بشكل أساسي من خلال البيانات التي تحمل اسمها، والتي تقوم بنشرها عبر الإنترنت، والتي يتم إعادة نشرها بسرعة عبر شبكات الميليشيات.
وأكدت على علاقة الجماعة بـ “العصائب“، أكثر من غيرها، حيث أوضحت أنه في البداية، بدا أن التركيز الحركي لدى “أصحاب الكهف” أقل من نظيره لدى “عصبة الثائرين” أو “قاصم الجبارين“، لكن الجماعة تبنت أعدادا متزايدة من الهجمات على القوافل منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2020 وحتى الآن. وربما تزامن ذلك مع حدوث صدع بين “كتائب حزب الله” و“عصائب أهل الحق” حول الاستراتيجية.
وسط ذلك، حاولت “هيئة الحشد الشعبي” جاهدة في أيلول/سيتمبر 2020 بالنأي بنفسها عن علاقة الجماعة بها، إذ أنه وبعد تصاعد العمليات المسلحة ضد المصالح الأجنبية والبعثات الدبلوماسية، أعلنت براءتها من الهجمات، بيد أن مصادر مختلفة أكد أن هذه البراءة مدفوعة بخلافات حادة بين الفصائل المسلحة؛ أبرزها تقاطع حاد مع “كتائب حزب الله“، بحسب “الشرق الأوسط“.
ظاهريا تخضع “أصحاب الكهف” إلى ما يعرف بالـ “الهيئة التنسيقية للمقاومة العراقية“، إلا أن “معهد واشنطن” يؤكد أن غالبية الأدلة تظهر أن “أصحاب الكهف” تابعة لـ “عصائب أهل الحق“، ويستند ذلك إلى: تحليل المنشورات والحسابات التي تروج لنشاط “أصحاب الكهف“، إذ يبدو أن حسابات وسائل التواصل الاجتماعي المرتبطة بـ “العصائب” على علاقة وثيقة بشكل خاص بـ “أصحاب الكهف“، إضافة إلى محتوى بيانات الجماعة، لافتا إلى أن الهجمات التي تتبناها “أصحاب الكهف” تكون منفذة بالقرب من مناطق سيطرة الـ “عصائب“.
قبال ذلك، كشفت تقرير سابق لموقع “الحرة“، نقلا عن مسؤول عراقي استخباري رفيع تفاصيل مهمة عن “ميليشيات الظل” التي يتم تداول أسمائها مؤخرا في العراق مثل “عصبة الثائرين” و“قبضة الهدى” ومجموعة “أهل الكهف“، وشملت التفاصيل معلومات بشأن الجهة التي انبثق منها كل فصيل ومصادر التمويل، والتدريبات التي يتلقاها عناصر هذه المجموعات.
التقرير أكد أن “عصبة الثائرين” التي ظهرت للمرة الأولى في آذار/مارس 2020 عندما تبنت هجمات صاروخية استهدفت معسكر التاجي شمال بغداد والذي يضم قوات من التحالف الدولي، وكذلك نشرت صورا التقطت بطائرة مسيرة لمواقع حساسة في السفارة الأميركية ببغداد، وقاعدة عين الأسد في غرب البلاد، رغم حظر الطيران، هي “تشكيل منبثق عن “كتائب حزب الله” الموالية لطهران، ويقدر عدد عناصره ما بين 250 إلى 500 عنصرا.
“أصحاب الكهف” وعلاقتها بالـ “حرس الثوري”
أما جماعة “قبضة الهدى” التي كانت تطلق على نفسها اسم “فصائل المقاومة الإسلامية العراق - قبضة الهدى“، ودعت في وقت سابق إلى اغتيال السفيرين الأميركي والبريطاني في حال لم يغادرا العراق، هي مجموعة منبثقة من “عصائب أهل الحق”.
بينما ميليشيا “أهل الكهف“، يشير التقرير إلى أن “عناصرها جميعها ينتمون لكتائب سيد الشهداء أحد الفصائل الموالية لإيران ويديرها ابو آلاء الولائي“، والمنضوية أيضا في “الحشد الشعبي“، بيد أن “هذه الجماعات انفصلت عن الفصائل الأصلية وتم ربطها مباشرة بالحرس الثوري حيث يقوم الإيرانيون بالإشراف على تدريب عناصر ميليشيات الظل“، بحسب التقرير.
التقرير بين أن تأسيس تلك الميليشيات بهذه الطريقة، يعني أن أنه تم “إخضاع عناصر الميليشيات الجديدة لدورات تدريب عالية المستوى، وأصبحوا يحظون بثقة عالية وتم ترقيتهم ليصبحوا ضمن الحالة الدولية بالتنظيم الميليشاوي الذي يشرف عليه “الحرس الثوري“.
إذ أن عناصر تلك الميليشيات “أصبحوا ضمن جسم الحرس الثوري، أي أنهم ضمن الملاك الدائم ويتقاضون رواتب من الحكومة الإيرانية ومن ميزانية الحرس الثوري“، كما أنه يعني أن “ميليشيات الظل” أصبحت “منفصلة عن أي أوامر تصدر لها من جهات عراقية وتخضع كليا لإمرة الحرس الثوري ويجري عليه ما يجري على أفراد الحرس الثوري من الإيرانيين من حقوق وامتيازات وتأمين على الحياة وتأمين صحي“.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام