بدأت المهلة الدستورية لانتخاب رئيس جديد للبنان منذ شهر دون أن ينجح أعضاء مجلس النواب في انتخابه، لتتفاقم أزمات البلد.

في حين يشغل ميشال عون منصب رئيس الجمهورية منذ عام 2016، وتنتهي ولايته في 31 تشرين الأول/أكتوبر الجاري.

 كيف يُنتخب الرئيس؟

يقوم النظام السياسي اللبناني على أساس اقتسام السلطات والمناصب السيادية وفقا للانتماءات الدينية والطائفية.

وكرس اتفاق الطائف لعام 1989، الذي أنهى الحرب الأهلية (1975ـ 1990)، معادلة اقتسام السلطة والمناصب الرئيسية على أساس المحاصصات بين المكونات الأساسية الثلاثة: المسيحيين والسنة والشيعة.

ويكون رئيس الجمهورية مسيحيا مارونيا ورئيس الحكومة سنيا ورئيس مجلس النواب شيعيا.

وتدوم فترة ولاية الرئيس ست سنوات غير قابلة للتجديد، ولا يجوز إعادة انتخابه إلا بعد مرور ست سنوات على انتهاء ولايته الأولى.

وينتخب رئيس الجمهورية بالاقتراع السري في مجلس النواب بأغلبية الثلثين في دورة الاقتراع الأولى، بالأغلبية المطلقة في دورات الاقتراع التالية حسب المادة 49 من الدستور ولا يلزم الراغبين في خوض انتخابات الرئاسة بتقديم ترشيحات مسبقة.

 تنوع برلماني

البرلمان اللبناني يتألف من 128 نائبا، وتتوزع مقاعده بواقع 28 للسنة و28 للشيعة و8 للدروز و34 للموارنة و14 للأرثوذكس و8 للكاثوليك و5 للأرمن ومقعدان للعلويين، ومقعد واحد للأقليات داخل الطائفة المسيحية.

وخلطت الانتخابات الأخيرة، في أيار/ مايو الماضي، الأوراق في البرلمان، حيث تراجع عدد مقاعد "حزب الله" (حليف إيران) وحلفائه لصالح قوى أخرى أبرزها حزب "القوات اللبنانية" وقوى التغيير".

وقال الكاتب والمحلل الصحفي طوني عيسى إنه "لا يمكن الحديث عن وجود طرفين في البرلمان الحالي، بل هناك تنوع وتحالفات".

وهذا ما ظهر في الجلسة الأولى التي دعا إليها رئيس البرلمان نبيه بري لانتخاب رئيس البلاد في 29 سبتمبر/أيلول الماضي.

ففي دورة التصويت الأولى بهذه الجلسة توزعت أصوات النواب الحاضرين كالتالي: النائب ميشال معوض حاز على 36 صوتا، ورجل الأعمال سليم إده 11، فيما نال مرشحون آخرون 12، بينما صوّت 63 نائبا بأوراق بيضاء (أبطلوا أصواتهم).

وبعد دورة التصويت الأولى، رفع بري الجلسة إلى موعد غير محدد، بسبب فقدان نصاب الدورة الثانية، قائلا: "عندما يتم التوافق على رئيس سأدعو إلى جلسة لمجلس النواب".

فراغ رئاسي

في 2016، أنهى انتخاب عون فراغا رئاسيا استمر 29 شهرا، وحاليا يسود غموض وتخوفات من تكرار مشهد الفراغ في ظل أزمة اقتصادية حادة يعاني منها لبنان منذ أواخر 2019.

واعتبر عيسى أن "وضعية البرلمان لا تسمح لفريق واحد أن يفرض حاليا رئيسا للجمهورية، لذلك على الأرجح سيتم تأجيل العملية الانتخابية إلى أن تنضج ظروف معينة تسمح بوجود نوع من التوافق على الرئيس المقبل".

ويرى أن "التوافق لن يكون محليا فقط، بل خارجيا أيضا".

بدوره بين الخبير الدستوري عادل يمين، أن "الضبابية تعتري المشهد الانتخابي الرئاسي".

وتابع أن "من المستحيل إجراء أي عملية انتخاب من دون حصول شبه توافق، لأن الدستور والعرف يفرضان توافر ثلثي عدد النواب أي 86 من أصل 128 في جميع جلسات ودورات الاقتراع".

ولا يستحوذ أي فريق سياسي في البرلمان على هذا العدد من النواب، ما يجعل التحالفات ضرورية بين أعضائه للتوافق على رئيس جديد للبلاد.

 من يحكم في الفراغ؟

في 23 حزيران/ يونيو الماضي، كلف عون رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي بتشكيل حكومة جديدة بناء على استشارات نيابية نال فيها ميقاتي 54 صوتا.

إلا أن هذه الحكومة لم تُبصر النور حتى اليوم، نظرا إلى التعقيدات السياسية في البلاد.

وقال يمين، إن "المادة 62 من الدستور تنص على أنه في حال خلو سدة الرئاسة لأي علة كانت تناط صلاحيات رئيس الجمهورية وكالة بمجلس الوزراء".

وأضاف أن "هذا يعني أن الوكيل عن رئيس البلد يكون مجلس الوزراء أي الهيئة المجتمعة بصيغة مجلس الوزراء".

وأشار إلى أن "الحكومة المستقيلة لا تنعقد بصيغة مجلس وزراء إلا نادرا واستثنائيا، لذا لا يمكنها أن تتولى صلاحية رئيس الجمهورية".

وتابع أن "الدعوة إلى الاجتماع الاستثنائي لمجلس الوزراء يقوم بها رئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس الحكومة وفق الفقرة 12 من المادة 53 من الدستور".

وأردف أن "الرئاسة في حال كانت شاغرة فلن يكون هناك من مرجع دستوري متخصص لدعوة مجلس الوزراء إلى الانعقاد استثنائيا".

وأوضح يمين أن "المادة 64 من الدستور تحصر صلاحيات الحكومة المعتبرة مستقيلة في تصريف الأعمال، فلا يمكنها أن تتولى أي مرجع دستوري آخر".

وأكد أن "تزامن الشغور الرئاسي مع وجود حكومة مستقيلة يعني عدم وجود وكيل عن رئيس الجمهورية، لأن على الوزراء الاكتفاء بتصريف الأعمال في وزاراتهم ورئاسة الحكومة.. ولا تحل الحكومة المستقيلة مكان رئيس الجمهورية بالوكالة".

 ترسيم الحدود والرئيس

وأكد عيسى أن "الترابط بين التوافق على رئيس جديد وبين الاتفاق المرتقب على ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل بوساطة أمريكية".

واعتبر أن "الجميع، ولاسيما حزب الله، ينتظر الظرف المناسب لاختيار أو تزكية رئيس معين للبلاد، وهذا الأمر ينتظر التطورات المتعلقة بترسيم الحدود البحرية الجنوبية".

وبين أنه "عندما تنضج هذه التسوية ويتم التوقيع على الاتفاق يتم المجيء برئيس وفق التسوية نفسها التي تمت والمدعومة دوليا".

والثلاثاء، أعلن نائب رئيس البرلمان اللبناني إلياس بو صعب أن بلاده سلمت ردها إلى الولايات المتحدة وطلبت تعديلات على مسودة اتفاق مقترح لترسيم الحدود البحرية مع "الاحتلال الإسرائيلي".

وسبق وأن تسلم لبنان السبت من الوسيط الأمريكي، آموس هوكستين، اقتراحا لترسيم الحدود.

ويتنازع لبنان و"الاحتلال الإسرائيلي" على منطقة بحرية غنية بالنفط والغاز في البحر المتوسط تبلغ مساحتها 860 كيلومترا مربعا، وتتوسط واشنطن في مفاوضات غير مباشرة بينهما لتسوية النزاع وترسيم الحدود.