قبل 6 عقود، شهدت العاصمة العراقية بغداد تأسيس منظمة الدول المصدّرة للنفط (أوبك) بمشاركة 5 دول، ضمت إلى جانب العراق، كلاً من الكويت والسعودية وإيران وفنزويلا، وذلك في 14 أيلول/سبتمبر عام 1960، ثم انضمت إليها 10 دول أخرى خلال العقود اللاحقة.
وواجهت "أوبك" منذ تأسيسها انعطافات عديدة خلال مسيرتها، إذ جمدت بعض الدول عضويتها وأعادت تفعيلها عدة مرات، فيما فضّلت بعض الدول الانسحاب النهائي من المنظمة.
وشهدت "أوبك" انضمام قطر وإندونيسيا وليبيا والإمارات والجزائر ونيجيريا وإكوادور وأنغولا والغابون وغينيا الاستوائية وتعد الكونغو آخر دولة تقرر الانضمام في 2018.
وكان الهدف من تأسيس المنظمة تنسيق وتوحيد السياسات البترولية بين الدول الأعضاء من أجل تأمين أسعار عادلة ومستقرة لمنتجي البترول، وفق الموقع الرسمي للمنظمة.
كما تسعى لتأمين إمداد فعال واقتصادي ومنتظم للبترول للدول المستهلكة؛ وضمان عوائد عادلة على رأس المال للبلدان المستثمرة في صناعة النفط.
وعملت المنظمة التي أصبحت تسيطر على ثلثي صادرات النفط الخام في العالم، على رعاية المصالح الاقتصادية لأعضائها في مواجهة شركات النفط الكبرى وأسهمت في تنظيم عمليات الإنتاج والسيطرة على الأسعار.
وكان مقر المنظمة في السنوات الخمس الأولى في جنيف، بسويسرا، ثم انتقلت إلى العاصمة النمساوية بفيينا في أيلول/سبتمبر عام 1965.
ومرّت منظمة "أوبك" بمحطات عديدة، إذ تزامنت ولادتها في مطلع الستينيات مع التحول في المشهد الاقتصادي والسياسي الدولي، الذي طرأ على المنطقة مع إنهاء الاستعمار واستقلال العديد من الدول النفطية.
ثم طورت المنظمة رؤيتها المشتركة، وحددت أهدافها وأنشأت أمانتها العامة في جنيف ثم في فيينا عام 1965، واعتمدت "البيان التصريحي للسياسة البترولية في الدول الأعضاء" في عام 1968، والذي أكدت فيه حق البلدان في ممارسة كامل السيادة على مواردها الطبيعية لصالح تنميتها الوطنية، وفي أواخر الستينيات وصل عدد أعضاء "أوبك" إلى 10 دول.
وشهد عقد السبعينيات صعود منظمة أوبك إلى الصدارة الدولية مع سيطرة الدول الأعضاء فيها على صناعاتها البترولية المحلية وبدأت تمارس دوراً أكبر في أسواق النفط العالمية.
وحدثت خلال ذلك العقد العديد من الأحداث المؤثرة التي تسببت في ارتفاع حاد في تقلبات سوق النفط العالمية، وتوسع "أوبك" خلال القمة الأولى لرؤساء الدول والحكومات في الجزائر العاصمة عام 1975، والتي تناولت محنة الدول الفقيرة ودعت إلى عهد جديد من التعاون في العلاقات الدولية، لصالح التنمية الاقتصادية العالمية والاستقرار.
وأثمرت قمة الجزائر عن إنشاء صندوق "الأوبك" للتنمية الدولية في عام 1976، وشرعت الدول الأعضاء في خطط طموحة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، وبلغ عدد أعضاء المنظمة 13 دولة بحلول عام 1975.
ورغم تراجع الطلب على الطاقة مطلع الثمانينيات، التي بلغت ذروتها بانهيار السوق في عام 1986 نتيجة تخمة النفط وتحول المستهلك بعيداً عن الهيدروكربونات، انخفضت حصة منظمة "أوبك" في سوق النفط بشكل كبير وانخفض إجمالي عائداتها النفطية، وهو ما تسبب في عدم الاستقرار الاقتصادي في العديد من البلدان الأعضاء.
لكن مع انتهاء عقد الثمانينيات شهد سوق النفط شيئاً من الانتعاش وبدأت حصة "أوبك" من الإنتاج العالمي المتنامي حديثاً في التعافي، وجرى تعزيز ذلك من خلال تقديم أوبك لتعديل إنتاج المجموعة، بالإضافة إلى إحراز تقدم كبير في الحوار والتعاون بين "أوبك" وخارجها، ما أدى لاستقرار السوق.
وجاءت أزمة الغزو العراقي للكويت في آب/أغسطس 1990 وما ترتب عليه من فرض حصار على العراق، فاضطرت المنظمة لإقصاء العراق من سقف الإنتاج المحدد من طرفها، وكان التقلب المفرط سمة عقد التسعينيات، إذ أدى الشتاء المعتدل عام 1997 إلى تراجع الطلب على الطاقة حيث انخفضت أسعار النفط بنسبة 40% بعد الأزمة الآسيوية.
وبدخول الألفية الثالثة واصلت "أوبك" جهودها للمساعدة في تقوية واستقرار سوق النفط العالمية في السنوات الأولى من العقد، لكن مجموعة من قوى السوق والمضاربة وعوامل أخرى غيرت الوضع في عام 2004، وهو ما أدى إلى زيادة التقلبات في سوق خام جيدة الإمداد.
تم استخدام النفط بشكل متزايد كفئة أصول، واستمرت تقلبات السوق في الزيادة بشكل غير مسبوق حتى أوائل عام 2008، قبل انهيار القطاع المالي العالمي الذي أدى إلى الركود الاقتصادي.
ومع بلوغ "أوبك" عقدها السادس كانت على موعد مع تحديات جديدة، إذ مثّل الاقتصاد العالمي الخطر الرئيسي على سوق النفط في وقت مبكر من العقد، بسبب المخاطر المتزايدة المحيطة بالنظام المالي الدولي على الاقتصادات.
وأثرت الاضطرابات الاجتماعية المتصاعدة في أجزاء كثيرة من العالم على كل من العرض والطلب خلال النصف الأول من العقد، رغم أن السوق ظلت متوازنة نسبياً.
ثم واصلت "أوبك" سعيها لتحقيق الاستقرار في السوق، وتطلعت إلى تعزيز حوارها وتعاونها مع المنتجين والمستهلكين والمنظمات الدولية والمؤسسات وأصحاب المصلحة الآخرين في الصناعة، وشهد العقد مزيداً من الفهم والتقدير للدور الذي مارسته "أوبك" في المساعدة على استقرار سوق النفط العالمي، بما يخدم مصالح المنتجين والمستهلكين.
وكان انسحاب دولة قطر من منظمة "أوبك"، في يناير 2019، من الأحداث البارزة في تاريخ المنظمة.
وبرر وزير الدولة لشؤون الطاقة في قطر، سعد الكعبي، قرار الانسحاب آنذاك، بـ"رغبة قطر في تركيز جهودها على تنمية وتطوير صناعة الغاز الطبيعي، وعلى تنفيذ الخطط التي تم إعلانها لزيادة إنتاج الدولة من الغاز الطبيعي المسال".
من جانبها، ذكرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية حينها أن "قطر أصبحت أول دولة خليجية تنسحب من أوبك، وألمحت من خلال قرارها هذا إلى عدم رضاها عن المنظمة وطبيعة عملها".
ومع تفشي وباء كورونا عام 2020 كان قطاع الطاقة أول المتضررين، مما ضغط على دول "أوبك" لاتخاذ التدابير اللازمة والحازمة لمواجهة تداعيات الوباء.
وحاولت "أوبك" تجاهل تداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا وتأثيراتها على سوق الطاقة، ورفضت زيادة الإنتاج، ما دفع اللجنة القضائية التابعة للكونغرس الأمريكي، في 6 مايو الماضي، إلى تمرير مشروع قانون يعرف باسم نوبك "NOPEC" ضد أعضاء منظمة "أوبك"، للعمل على تطبيق قوانين مكافحة الاحتكار الأمريكية ضد بلدان المنظمة.
وبحسب لجنة الكونغرس الأمريكي فإن أوبك أصبحت تسيطر اليوم على 70% من جميع النفط المتداول دولياً، و80% من جميع احتياطيات النفط العالمي.
المستشار الاقتصادي، دريد العنزي، قال في تصريح خاص لشبكة "الساعة"، إن "منظمة أوبك تعتبر من أولى المنظمات العالمية الحكومية المجتمعة لغرض إنتاج مادة النفط والتي لم يسبق لاي معدن او خام ان يؤسس له منظمة كما هو الحال مع منظمة أوبك".
وأضاف أن "تأسيس منظمة أوبك جاء بعد الحرب التي شنتها الشركات العالمية الأوروبية والأمريكية ضد مادة النفط حتى لا يكون لها تأثير سلبي عالمي و كان سعر البرميل سنة 1955 دولارًا و90 سنتا وبعد تدخل الشركات العالمية نزل لمستوى دولار و30 سنتا لتؤسس بعدها منظمة أوبك".
وتابع أن "شعور الدول المجتمعة بامتلاكها ثلاثة أرباع النفط العالمي اجتمعت في بغداد لتأسيس المنظمة واستمرت معركة أسعار النفط مع أوبك، ولم يكن التقسيم الحصصي للدول ظاهر للعيان إلا سنة 1974".
وأشار إلى أن "السوق لم تكن مستقرة وكانت أسعار النفط تتهاوى بين الارتفاع والانخفاض لتحديد إنتاج كل دولة ولم يتم تحديد كمية المصدر، وقد يحصل بعض التلاعب ويطلق عليه عدم المثولية".
وبين العنزي أن "عام 2016 ضمت أوبك العديد من الدول المنتجة للنفط لتصبح بذلك أوبك+ وعند تعرض دولة ما لعقوبات اقتصادية تكون خارج نطاق أوبك ولا تحاسب على كمية الإنتاج".
ولفت إلى أن "التطور التكنولوجي ضاعف الطلب على النفط الخام والغاز ويبقى النفط ملازما للتطور الحضاري لأكثر من 100 سنة صعوبة التحول مباشرة إلى الطاقة النظيفة وأن ما يقال حول التحول ما هو إلا في إطار الحرب الإعلامية".
وذكر أن "منظمة أوبك واجهت العديد من الضغوط الخارجية لتحديد كمية النفط المصدر لغرض إغراق السوق وخفض أسعار النفط وهي عملية سياسية أكثر منها عرض وطلب".و
أوضح أن "هناك حربا ضد أوبك عن طريق إصدار قرار من الولايات المتحدة الأمريكية أطلق عليه نو أوبك في سبيل التدخل في عملية تحديد الكميات المصدرة والأسعار، إلا أن الحرب الروسية الاوكرانية لعبت دورا مهما في تأخيرها".
وأكد أن "الدول الأوروبية الرابح الأكبر من أزمة النفط الخام نتيجة وجود ضريبة القيمة المضافة على البضائع المستوردة، إذ إن واردات منظمة أوبك حوالي 3 تريليون دولار في حين بلغت واردات الدول الأوروبية من فوائد القيمة المضافة 4 تريليونات و600 مليار دولار".
وعلل العنزي "انخفاض أسعار النفط بثلاث أزمات متتالية فيروس كورونا وتلتها الحرب الروسية على أوكرانيا وما تبع ذلك من خلاف سعودي روسي تسبب في إغراق السوق بالنفط الخام".
واختتم المستشار الاقتصادي قوله، إن "الوضع الاقتصادي العراقي خطر ومتردد وقريب من الركود ثم الانهيار بسبب السياسات الخاطئة التي تتبعها الحكومة الحالية".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام