منذ العام 2010، بدأت بعض الأطراف السياسية تتهم القضاء العراقي بعدم حياديته واستقلاله، بعد أن فسر رئيس مجلس القضاء الأعلى في حينها، مدحت المحمود، نص المادة الدستورية (76) المتعلقة بالكتلة الأكبر التي تشكل الحكومة العراقية.
وبعد أن لجأ رئيس الوزراء الأسبق، نوري المالكي (2006 - 2014)، إلى المحكمة الاتحادية لتفسير الكتلة الأكبر بعد انتخابات 2010 التي شهدت فوز القائمة العراقية برئاسة إياد علاوي بالمركز الأول، والتي من المفترض أن تشكل الحكومة بموجب الدستور، فسرت المحكمة الكتلة الأكبر في حينها على أنها الكتلة التي تتشكل بعد الانتخابات.
وعقب التفسير، تزايد الجدل حول هذه القضية خصوصًا بعد إعلان ائتلاف دولة القانون، بزعامة المالكي، أنه لا يحق لقائمة العراقية التي يتزعمها علاوي تشكيل الحكومة، هو ما دفع الأخير إلى مهاجمة القضاء قائلاً: لم اسمع بمثل هذا التفسير، ولا يمكن الاعتراف به، وربما هناك دستور آخر لا نعرف به في العراق.
في حين تنص المادة 76 من الدستور العراقي على: "يكلف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة النيابية الأكثر عددا بتشكيل مجلس الوزراء خلال 15 يوما من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية"، هو ما رجحه رئيس مجلس القضاء الأعلى الحالي، فائق زيدان، قائلاً إن الكتلة الأكبر هي الفائزة بالانتخابات.
البعض اتهم القضاء بتسيسه من قبل المالكي، لملاحقة شخصيات سياسية، منها نائب رئيس الجمهورية الأسبق، طارق الهاشمي، ووزير المالية الأسبق رافع العيساوي، وبعض أعضاء وقيادات التيار الصدري، ممن عارضوا المالكي في إدارة البلاد وتقاطعوا معه.
وفي ظل الأزمة السياسية التي تشهدها منذ 10 أشهر، تجددت الاتهامات هذه المرة للأطراف السياسية بمحاولة تسيس عمل القضاء العراقي، ما دفع رئيس مجلس القضاء الأعلى الحالي، فائق زيدان، إلى انتقاد محاولات الساسة التدخل في عمل القضاء وجعل قراراته على مقاسات محددة.
ومع فشل زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، في تشكيل "حكومة الأغلبية" بسبب الثلث المعطل، شن هجوماً عنيفاً، على القضاء العراقي، قائلاً "أتعجب من مسايرة القضاء لأفعال الثلث المعطل المشينة (قوى الإطار التنسيقي)، من حيث يعلم أو لا يعلم".
ورغم تأكيدات القضاء المتكررة على وقوفه على مسافة واحدة من الجميع، هاجم صالح محمد العراقي المعروف بـ "وزير الصدر"، مجلس القضاء الأعلى، قائلاً "هناك من يدعي أنه على مسافة واحدة من الجميع والجواب: القوم في السر غير القوم في العلن".
التسريبات الصوتية المنسوبة للمالكي، وضعت القضاء على المحك، بعد الدعوات الشعبية المطالبة بفتح تحقيق بالتسريبات؛ كونها تحمل تهديدات للسلم والتعايش في العراق، وتهدد الأمن القومي للبلاد، ورغم دعوات الصدر إلا أن القضاء إلى الآن لم يحرك ساكنًا.
وفي تطور خطير شهده الشارع العراقي، اعتصم العشرات من أنصار التيار الصدري أمام مجلس القضاء الأعلى ونصبوا سرادق الاعتصام أمام مبنى المجلس، ما دفع السلطة القضائية إلى تعليق مهام أعمالها في البلاد، إصدار مذكرات قبض بحق 3 من قيادات التيار الصدري.
تعليق عمل السلطة القضائية وإصدار مذكرات قبض بحق القيادات الصدرية الثلاثة، رافقه جدل شعبي واسع، بين معارض ومؤيد ومتساءل ومتهكم، فالبعض اعتبر المساس بالقضاء أمرًا خطيرًا، فيما برر البعض أن الاعتصام كان نتيجة لقرارات القضاء المسيسة على حد وصفهم حول ما أسموه بـ "الثلث المعطل"، فيما تساءل آخرون عن دور القضاء في محاسبة القتلة والفاسدين وسراق المال العام.
الباحث بالشأن السياسي، شاهو القرداغي، عزا عدم تعاطف المواطنين مع القضاء، كونه لم يكن له موقف واضح من القضايا والأحداث المهمة مثل سقوط الموصل وقتل مئات المتظاهرين ونهب المليارات وتسريبات المالكي وغيره من القضايا.
لو كان للقضاء موقف واضح من القضايا والاحداث المهمة مثل سقوط الموصل وقتل مئات المتظاهرين ونهب المليارات وتسريبات المالكي وغيره من القضايا لخرج المواطنون اليوم الى الشوارع دعما للقضاء.
ولكن يبدو ان لا احد مكترث بوضع القضاء في ظل الوضع الحالي نتيجة للابتعاد عن الحياد والاستقلالية
فيما يرى الكاتب والصحفي، أحمد عبد السادة، أن قيام القضاء بإصدار مذكرة قبض بحق القيادي في التيار "المقتدائي"، صباح الساعدي أمر مهم، ويجب أن يتبعه إصدار مذكرة قبض بحق قائد سرايا السلام تحسين الحميداوي بسبب دوره المباشر بمحاصرة واقتحام مجلس القضاء الأعلى.
قيام القضاء بإصدار مذكرة قبض بحق القيادي في التيار المقتدائي صباح الساعدي أمر مهم، ويجب أن يتبعه إصدار مذكرة قبض بحق قائد سرايا السلام تحسين الحميداوي بسبب دوره المباشر بمحاصرة واقتحام مجلس القضاء الأعلى، وهو أمر يجب أن يطال كل منتسبي التيار الذين حرضوا على القضاء وانتهكوا حرمته
وتعجب الإعلامي، كرار العراقي، من تعليق القضاء العراقي على تهديد أبو الاء الولائي، لرئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، ومطالبته قوى الإطار التنسيقي بنحر الكاظمي على حد تعبيره.
(ابو الاء الولائي) يحرض على قتل رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي.
يدعمون الدولة والقضاء بهذه الطريقة؟
العجيب ان القضاء لا يرى هذه التصريحات والمواقف pic.twitter.com/AEovGKHawE
عضو البرلمان العراقي، حنان الفتلاوي، تساءلت عن محاولات إقحام القضاء عنوة في الخلافات السياسية، رغم عدم صلاحيته في حل البرلمان.
القضاء قال كلمته اكثر من مرة : لا صلاحية لنا بحل البرلمان .. لماذا يحاول البعض اقحام القضاء عنوةً بالخلافات السياسية ؟؟ اتركوا القضاء فهو السلطة الوحيدة الشرعية المتبقية وغير المعطلة !! هل تريدون الاجهاز على ماتبقى من الدولة ؟؟ ان اردتم مخرجاً فمالكم سوى الدستور وآلياته ..
— د. حنان الفتلاوي (@hanansmohsin) August 23, 2022
فيما غرد الصحفي الكردي، عماد باجلان، قائلاً: اللهم لا نسألك رد القضاء، بل نسألك العدل فيه.
أللهم لا نسألك رد القضاء
— عماد باجلان (@emad_bajalan) August 24, 2022
بل نسألك العدل فيه pic.twitter.com/UUvzEQAIun
وعلى إثر التصعيد الأخير، نصح زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر أنصاره بإنهاء الاعتصام أمام مجلس القضاء، والاستمرار بالاعتصام أمام مجلس النواب للمطالبة بحل البرلمان.
وبعدها، أعلن مجلس القضاء الأعلى في العراق، استئناف العمل في كافة المحاكم العراقية ابتداء من اليوم الأربعاء، وذلك عقب انتهاء الاعتصام من أمام مبنى السلطة القضائية.
وما يزال العراق يشهد صراعًا محتدمًا بين الأطراف السياسية الفاعلة ودعوة أتباعهم إلى التظاهر في تصعيد يراه البعض سيسهم في زيادة معاناة المواطنين.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام