أثار نقل جثامين "مجهولة الهوية" بسيارة شخصية من محافظة بابل إلى محافظة النجف جنوبي العراق لغرض دفنها، غضباً واستياء كبيرين في الشارع العراقي.

ودعت جهات حقوقية إلى التحقيق في عائدية تلك الجثث، والكشف عن الجهات التي تسببت بوجود تلك الجثث والعديد من المقابر الجماعية.

وفي وقت سابق نقلت حسابات في وسائل التواصل صورا تظهر شخصا يستخدم سيارة شخصية من نوع "بيكب" حمل، لنقل الجثث دون أي حماية أو احترام لتلك الجثث؛ حيث إنه تسلم 9 جثث من قبل جهة حكومية بكتاب رسمي وأرقام وأكياس وموافقات أمنية للتنقل عبر نقاط التفتيش الحكومية، من محافظة بابل مروراً بكربلاء للتوجه ودفنها في محافظة النجف، الأمر الذي أثار حنق العراقيين، في ظل الطقس الحار ودون مراعاة لحرمة الموتى.

مرصد "أفاد" الحقوقي وجه دعوة للسلطات للكشف عن المتورطين بجرائم تغييب واختطاف وقتل المدنيين العراقيين.

المرصد قال في بيان طالعته شبكة "الساعة" إنه "ليس من المنطق الاستمرار بعمليات العثور على جثث "مجهولة الهوية" ومقابر جماعية منذ سنوات، دون أن يُعرف منفذو الجريمة".

وأضاف "أفاد" أن "صور نقل جثامين عراقيين وصفوا بأنهم مجهولو الهوية من قبل شخص قيل إنه متبرع بعملية الدفن، يكشف عن استخفاف حكومي تتحمل مسؤوليته وزارتا الصحة والداخلية".

وأكد المرصد أن التبريرات التي ساقتها دائرة صحة بابل بشأن تجاوز المدة القانونية لتلك الجثث لدى الطب العدلي، وما أشار له مدير العلاقات والإعلام في وزارة الداخلية سعد معن، بشأن الوصول إلى الجثث وتشريحها لاحقاً لمعرفة سبب الوفاة والفترة الزمنية التي حدثت فيها حالة الوفاة لمطابقة المعلومات مع الطب العدلي والأدلة الجنائية، هي "تبريرات تدين تلك الأجهزة الحكومية، ولا تعفيها من المسؤولية عن وقف هذه الظاهرة المتكررة دون بيان مصير تلك الجثث ولمن تعود، وسط صمت حكومي وتقاعس عن إخراجها أصولياً وفحصها وفق الإجراءات الطبية المعروفة عالمياً بتقنية دي أن أي". 

وانتقد المرصد بشدة "تجاهل الحكومة للضوابط الصحية والشرعية والقانونية التي تلزمها ببيان أصل تلك الجثث ومكان العثور عليها وضرورة التحقق منها قبل الدفن إن تعذر معرفة هويتها فعلاً، ناهيك عن ضرورة نشر تلك المعلومات عسى أن يتعرف ذوو المفقودين على أبنائهم، في ظل شكاوى سابقة قدمت من عدد كبير من العراقيين عن فقدانهم أبناءهم في مناطق معروفة بعينها".

وتابع المرصد: أن "ملف ما يسمى "الجثث مجهولة الهوية" ليس بجديد على سلوكيات شاذة مارستها جهات رسمية خلال السنوات الماضية، حيث تم الإعلان عن دفن نحو 500 جثة في عام 2020 ونحو 400 جثة عام 2019 تحت هذا المسمى فضلاً عن عشرات أخرى غير معلنة، دفنت بشكل سري يفتقر للآليات الواجب اتباعها وفق الأعراف الدولية".

وأشار البيان إلى تقاعس الحكومة عن محاربة عصابات الجريمة المنظمة وفشلها بإخضاعهم للقانون لارتباطهم بجهات مسلحة خارجة على القانون، مشددا على أنه ليس من المنطق أن تستمر عمليات العثور على جثث "مجهولة الهوية" ومقابر جماعية تكشف بين الفينة والأخرى منذ سنوات، دون أن يُعرف منفذو الجريمة، ولا عائدية الجثث، ناهيك عن خطورة تسليم ملف دفن الجثث لمتبرعين قد يتهمون بجريمة الاتجار بالبشر بالتواطؤ مع جهات حكومية، وهو ما قد يفتح الباب أمام رفع دعاوى أمام المؤسسات القانونية الدولية لمعاقبة كل المسؤولين المتورطين بهذه الملفات.

وقال مدير إعلام صحة بابل، علي جبار، إن "9 جثث مجهولة الهوية تجاوزت مدة الحفظ القانونية لدى الطب العدلي، وفي مثل هذه الحالات يقوم متبرع بتولي عملية الدفن".

وأكد جبار أن تسليم الجثث للمتبرع ليتم دفنها هو إجراء رسمي، ومسؤولية الطب العدلي تقف عند تسليم الجثث، أما طريقة نقل وحفظ الجثث فهي خارج نطاق مسؤولية الدائرة.

بدوره، قال مدير العلاقات والإعلام في وزارة الداخلية، اللواء سعد معن، إن "ملف العثور على الجثث مجهولة الهوية، وإحصاء أعدادها من مسؤولية الوزارة، سواء من خلال الإبلاغ، أو دوريات النجدة، ويتم اتخاذ الإجراءات اللازمة في موقع الحادث، وجلب الفرق الطبية والأدلة الجنائية لرفع البصمات والمخلفات الجنائية، والتي قد تفيد في معرفة هوية الجثة".

وأشار إلى أن الإجراءات اللاحقة تتمثل في التنسيق مع الطب العدلي لحفظ الجثة إلى حين اكتمال التحقيقات، وأخذ الموافقات القضائية، وتشريح الجثة لكشف الهوية يكون حصراً بأمر قضائي، لمعرفة سبب الوفاة، والفترة الزمنية التي حدثت فيها.

وانتقد ناشطون ومدونون طريقة نقل الجثث من دون احترام للمتوفين، وتسائل الصحفي عمر الجنابي عن سبب استمرار العثور على جثث مجهولة في بابل دون غيرها من المحافظات؟.

وكتب كريم الكرعاوي أن نقل جثث سجناء توفوا في سجن الحلة المركزي بسيارة بيكب ومكشوف جزء من أجسادهم في وضح النهار يظهر درجة الاستهتار بكل الاعتبارات الانسانية والاخلاقية في العراق.

وغرد الصحفي عمر حامد قائلا "نقل 9 جثث واطُلق عليها كالعادة بأنها جثث مجهولة الهوية بسيارة بيك اب في بابل بطريقة لا تمت للإنسانية بصلة فلا هم اكرموا الميت بنقله بسيارة اسعاف لدفنه ولا هم راعوا الأحياء لمشاهدتهم هذه الحالة المرعبة التي تعود للعصور المظلمة!".

شكوك الناشطين العراقيين بشأن الجثث مجهولة الهوية في بابل تأتي على خلفية وجود عدد كبير من المغيبين من أبناء قضاء جرف الصخر شمالي بابل والمناطق القريبة منها في محافظة الأنبار، والتي تتهم ميليشيات قريبة من إيران بتصفيتهم أو احتجازهم في سجون سرية شمالي محافظة بابل وتحديدا في ناحية الجرف.

يشار إلى أن العثور على الجثث المجهولة لا يتوقف في العراق منذ عام 2003، إذ يتكرر بين فترة وأخرى العثور على جثة، وتصنف باعتبارها مجهولة، ولا تكشف التحقيقات عن الجهات التي تقف وراء تلك الجثث.