أصبح تشكيل الحكومة وتأخر إقرار الموازنة ككفتي ميزان تأرجح العراق بين خطين يصعب إتمامهما بفضل صراع سياسي تقوده قوى حزبية (خاسرة) رافضة لنتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة وتطالب بحكومة "توافقية" وآخرى (رابحة) تطالب بـ "أغلبية وطنية".
هذا الصراع السياسي أوصل البلد إلى حالة "عقيمة" أطلق عليها اسم "انسداد" سياسي لوصف عجز الساسة تشكيل حكومة عراقية وفقا لنتائج الانتخابات البرلمانية المبكرة والتي جرت في تشرين الأول/أكتوبر 2021.
وتأخر إقرار موازنة 2022 ربما هو أهم مخلفات العجز السياسي في العراق؛ إذ أنعكس على الوضع الاقتصادي للبلد بشكل عام وعرقلة إنجاز المشاريع الخدمية بشكل خاص.
ووفق خبراء اقتصاد عراقيين "ربما يكون في هذه المشاريع ما هو طارئ يتعلق بالأمن الغذائي أو دعم الشرائح الاجتماعية الفقيرة، أو أمن الدولة واحتياجاتها من الأسلحة، والأجهزة والمعدات أو المشاريع الطبية والخدمية والتعليمية البالغة الأهمية التي لا تحتمل التأخير".
وفي تصريح خاص لشبكة "الساعة"، أكدت الخبيرة الاقتصادية، سلام سميسم، أن تأخر إقرار الموازنة يؤثر بشكل سلبي على الخدمات العامة والاستثمار وتأخر نسب الإنجاز في المشاريع وبالتالي تعطل الحياة الاقتصادية".
بدوره؛ قال الدكتور كاظم العقابي، في حوار مع "الساعة"، إن "تأخر إقرار الموازنة سيساهم في فشل خطط التنمية الاقتصادية وسيؤدي لتأخير تنفيذ المشاريع الاستثمارية وخاصة تلك المشاريع الاستثمارية الجديدة التي ستشملها تخصيصات الموازنة العامة لعام 2022".
وأكد أن "تعطيل المشاريع الاستثمارية سيلقي بضلاله على البطالة؛ إذ إن توقف المشاريع الاستثمارية الجديدة تعني عدم إمكانية استقطاب عمالة جديدة في تلك المشاريع فضلًا عن عدم إمكانية استقطاب الخريجين الجدد في المؤسسات الحكومية".
وبين أن "وزارة المالية تمنع التعيينات لحين إقرار الموازنة الأمر الذي سيتسبب في تفاقم مشكلة البطالة وارتفاع نسب الفقر"، مؤكدًا أن هذه "المشاكل تتفاقم مع تزايد النمو السكاني وتزايد الباحثين عن فرص العمل".
ولفت إلى أن "تأخر إقرار الموازنة المالية يأتي رغم أن المشرع العراقي عالج مثل هكذا وضع بموجب المادة 13 (قانون رقم 4 لسنة 2020 التعديل الأول لقانون الإدارة المالية الاتحادية رقم 6 لسنة 2019)".
ونصت المادة 13 أن "في حالة عدم إقرار مشروع قانون الموازنة العامة الاتحادية لسنة مالية معينة تعد البيانات المالية النهائية المصروفة فعلا اساساً للبيانات المالية للسنة التي لم تقر فيها الموازنة وتقدم إلى مجلس النواب لغرض المصادقة عليها".
وأضاف، العقابي أن "قانون الإدارة المالية أجاز للحكومة الصرف بنسبة 1/12 من المصروف فعلا في السنة المالية السابقة إلا أن التأخر في إقرار الموازنة العامة سيؤثر سلبا على الاقتصاد العراقي لان الصرف بنسبة 1/12 يعيق أية محاولة تهدف إلى تقليص النفقات التشغيلية والتي غالبا ما تأخذ النسبة الأكبر من الموازنة العامة".
وفي ظل التخبط السياسي والاقتصادي الذي يمر به العراق، يرى مسؤولون في وزارة المالية أن عدم إقرار موازنة 2022 سيؤدي لتراكم مالي كبير في خزينة الدولة وهو ما اعتبروه أمرا إيجابيا.
ومع ما ذكروه أكدوا أن الاستفادة من هذا الخزين المالي مرهون بقدوم حكومة متمكنة، وقادرة على الاستفادة منه، وتعويض ما حدث في العام الحالي، واستئناف المشاريع، بسرعة قياسية، لمعالجة آثار العجز السياسي.
وأعلنت الحكومة الحالية في مناسبات عدة عدم قدرتها تقديم قانون الموازنة إلى مجلس النواب، مشيرةً إلى "تركه للحكومة المقبلة".
وكان النائب الأول لرئيس مجلس النواب، حاكم الزاملي، قدما طلبا إلى الحكومة من أجل إرسال موازنة 2022، مشيراً إلى أن هذا الطلب "مستند للقانون والدستور".
كما أكد أن مجلس النواب سيصوت على تخويل "حكومة الكاظمي" بإرسال مشروع قانون الموازنة للعام الحالي.
يذكر أن الحكومة أقرت في 22 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، موازنة 2021 بقيمة 103 مليارات دولار، بعجز إجمالي 43 مليار دولار، وأحالتها إلى البرلمان للتصويت عليها.
وكان أغلب أعضاء البرلمان، يرفضون التصويت على الموازنة الاتحادية المرسلة من الحكومة، بسبب ارتفاع سقف الإنفاق فيها في ظل الأزمة المالية التي تعانيها البلاد.
وأكدت اللجنة المالية في البرلمان، آنذاك، أن الموازنة الاتحادية لعام 2021، هي أكبر موازنة أقرتها الحكومة طوال السنوات الماضية، والتي كان من المفترض أن تكون تقشفية.
وتعتبر المشاكل العالقة بين الإقليم والمركز والتي لم تحل حتى الآن، هي من أسباب عرقلة إقرار الموازنة 2022؛ حيث إن الإقليم لم يلتزم بتنفيذ بنود المادة 11 الموجودة بالموازنة.
بينما رجح وزير المالية العراقي، علي علاوي في وقت سابق، صعوبة تمرير الموازنة 2022، بسبب ارتفاع قيمة العجز فيها.
ويبقى السبب الأهم هو تأخر تشكيل الحكومة العراقية؛ إذ ما زال العراق يعاني حالة الانسداد السياسي بين الفرقاء السياسيين؛ إذ يتمسك تحالف "إنقاذ وطن" (الكتلة الصدرية وتحالف سيادة والحزب الديمقراطي الكردستاني) بمشروع تشكيل حكومة "الأغلبية الوطنية".
فيما يسعى "الإطار التنسيقي" (ائتلاف دولة القانون، وتحالف قوى الدولة، وتحالف النصر، وتحالف الفتح، وحركة عطاء، وحزب الفضيلة) إلى تشكيل حكومة "توافقية"، يشترك فيها الجميع، على غرار السنوات السابقة.
وتسبب الخلاف السياسي بتأخر انتخاب رئيس الجمهورية، إذ أن أهمية انتخاب رئيس جديد، يكمن في تكليفه مرشح "الكتلة الأكبر" عددًا في البرلمان بتشكيل الحكومة، بحسب الدستور.
يعتمد العراق على إيرادات بيع الخام لتغطية أكثر من 90% من نفقات الدولة، وهو ما وضع البلاد في أزمة مالية خانقة عام 2020، نتيجة تراجع أسعار النفط بالأسواق العالمية بفعل جائحة كورونا.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام