يتطور الصحفي حول العالم بسرعة تواكب تطور أدوات الصحافة ونقل الخبر وإيصال المعلومة فضلًا عن سرعة تطور الحدث، حتى أصبح العالم يعتمد بشكل قد يكون كلي على الإعلام الإلكتروني (الرقمي).
والإعلام الرقمي من التخصصات الجديدة، وقد طرح في عدد من الجامعات العالمية في أوروبا وأمريكا فضلًا عن الدول العربية.
وظهر التخصص لحاجة السوق العالمية والعربية لخريجين متخصصين في مجال الإعلام الإلكتروني بعد أن أصبح هو المسيطر على السوق الإعلامية وبعد تحول العديد من الصحف العالمية من صحف ورقية إلى صحف إلكترونية.
وكون العراق من أهم مناطق التوتر في الشرق الأوسط فهو جاذب لأغلب قنوات نقل الخبر حول العالم، ففتحت العديد من المؤسسات الإعلامية العالمية مراكز لها في البلاد فضلاً عن تأسس العديد من المؤسسات الإعلامية المحلية لكنها ما زالت تعتبر متأخرة في مواكبة تطور الإعلام.
واليوم الأربعاء، كشفت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم "اليونسكو"، فقدان ألفين و600 صحفي عملهم في المؤسسات العراقية منذ العام 2020 ولغاية الآن نتيجة لعدم قدرتهم على مواكبة التطور في مزايا ومهارات الإعلام الرقمي.
وبينت أن الصحفيين "ممن كانوا يعملون مع مؤسسات أجنبية ومحلية، إذ جرت الاستعاضة عنهم بصانعي محتوى استطاعوا أن يتابعوا شبكات التواصل ويجمعوا التقارير منها، وتقديمها بسهولة تستهوي المواطن، في حين أن الصحفي عندما يعد تقريره يحتاج إلى جهد ووقت من العمل والتنقل والاتصالات".
وذكر مسؤول برامج ومشاريع "يونسكو" في العراق، ضياء السراي في تصريح، لصحيفة الصباح وتابعته شبكة "الساعة"، أن "بعد جائحة كورونا عام 2020 وحتى الآن، سلطت الصحافة الرقمية الضوء على تحديات ماثلة أمام وسائل الإعلام ليس في العراق فحسب وإنما في جميع دول العالم".
وأشار إلى أن "هناك 14 تحديا أحصتها المنظمة، من ضمنها الاستدامة والقدرة على المواصلة، ومواكبة إبداع المحتوى والتطور في نشاط قطاع المطورين والمواصلة في كيفية تحدي المخاطر الرقمية التي يواجهها الصحفيون".
ولفت إلى أن "اليونسكو اختارت هذا العنوان ليتلاءم مع الأوضاع التي رصدتها خلال العامين الماضيين، خاصة أن العراق يعاني من مشكلات كبيرة جدا وتحديات كثيرة، كالمشكلات المالية والتمويل والاستدامة في المؤسسات الإعلامية، مما أدى إلى تسريح العاملين والصحفيين الذين لا يملكون مهارات رقمية، على الرغم من قدراتهم الصحفية الجيدة".
وأكد أن "المنظمة تسعى إلى ردم الهوة ودفع الصحفيين الرواد المهنيين الذين لديهم قدرة الكتابة والعمل الصحفي لكي يلحقوا بالركب ويكونوا صانعي محتوى ومبدعين، ولا تتخلى عنهم المؤسسات الإعلامية بسبب وجود مدون صغير أو مبدع محتوى أو منتج قادر على التعامل مع التقنيات الحديثة".
وطالب "هيئة الإعلام والاتصالات بأن تسهم في دعم المؤسسات الصحفية، ودفع الصحفيين نحو مهارات رقمية، وهذا يندرج ضمن عملها باعتبارها تملك الموارد التي يمكن أن تدعم هذا التوجه".
وفي حديث مع "الساعة"، كشف الإعلامي العراقي عبدالله النجار سببين أساسيين لضعف قدرة تطور ومواكبة الصحفي العراقي لمزايا ومهارات الإعلام الرقمي، وتخلص السبب الأول "لكون المؤسسات الإعلامية والصحفية العراقية بعد عام 2003 فقدت القدرة على إنتاج وتطبيق معايير تدريب الصحفيين وتوظيفهم".
بينما أكد أن السبب الثاني "يتعلق بالجانب الأكاديمي؛ حيث ان أساليب التدريس الأكاديمي بكليات وأقسام الصحافة والإعلام العراقية، لا تزود الطالب بالمهارات العملية المطلوبة في عالم الصحافة".
ونوه إلى أن "القبول في تلك الكليات والأقسام مفتوح دون معايير دقيقة، فترى معظم الخريجين لا يتمتعون بمهارات الصحافة والإعلام الأساسية".
وتابع أن البيئة الإعلامية والصحفية في العراق عصف بها تلوث متعدد الأبعاد، سياسي وفكري ومادي، جعلت أغلب العاملين بالمجال الإعلامي مغيبين عن جوهر ورسالة العمل الصحفي والإعلامي".
وقال الصحفي والباحث في مركز الرشيد للدراسات الاستراتيجية، محي الانصاري، في تصريح خاص لشبكة "الساعة"، إن "بطالة صحفية غزت العراق منذ 2003 وذلك بسبب الهوس في مجال الإعلام وفي كل صنوفه حتى أصبح بعد 20 عام جيش من العاملين في الصحافة".
وأضاف أن "الترهل والبطالة الصحفية بدأت بالظهور بحلول عام 2014 بعد الأزمة الاقتصادية وأنغلاق بعض المحطات والقنوات وتسريح الموظفين العاملين فيها وما تبعها من أزمة اقتصادية عصفت بالبلاد".
وأكد أن "ضعف التعليم في الجامعات والأفتقار لمؤسسات التدريب والتطوير في البلاد أدت إلى ظهور جيل إعلامي ضعيف يفتقر للمهنية الصحفية وأن التطوير في المجال الصحفي أصبح مسؤولية شخصية".
ولفت إلى أن "المؤسسات لا تساعد ولا تشجع على التطوير وحتى في اعتى المؤسسات الإعلامية تجد هناك ركاكة وضعفا في العمل الصحفي، فضلاً عن انعدام القوانين الحامية لحقوقه".
وطالب الأنصاري "بإنشاء وسائل إعلام وأكاديميات تعمل على تطوير العمل الصحفي في العراق داعياً الجهات المسؤولة محاسبة المتطفلين والمبتزين في هذا المجال ممن يسوء للصحافة".
ولعل من أسباب تراجع مهنة الصحافة في العراق، كونه واحداً من أخطر البلدان بالنسبة للصحفيين؛ إذ وضَعَ جدول التصنيف العالمي لحرية الصحافة في عام 2021، العراقَ بالمرتبة 163 من أصل 180 دولة.
وفي رصد أجرته شبكة "الساعة"، قتل 237 صحفيًا من جنسيات مختلفة داخل العراق خلال الفترة ما بين 2003 و 2020.
وبينت الإحصائية أخطر السنوات التي مر بها الصحفيون داخل العراق؛ حيث شهدت سنوات 2006 و2007 قتل 88 صحفيًا على يد جماعات مختلفة.
وفي وقت سابق، أعلنت جمعية الدفاع عن حرية الصحافة في العراق، تسجيلها 268 انتهاكاً ضد الصحفيين العراقيين خلال أشهر قليلة.
وأشارت إلى "عدم التزام" رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، بتعهداته بحماية حرية التعبير والعمل الصحفي؛ إذ "لا يزال قتلة الصحافيين ومنفذو الهجمات المسلحة أحرارا طلقاء".
وقد كفل الدستور العراقي حرية الصحافة، بقانون شهد جدلاً واسعاً؛ حيث نصت المادة 36 المعروضة للاستفتاء، على حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل وحرية الصحافة والطباعة والإعلان والإعلام والنشر إضافة إلى حرية الاجتماع والتظاهر السلمي.
ولكن تم لحق القانون بعبارة "بما لا يخل بالنظام العام والآداب"، وجرت محاولات عديدة لتعريف "النظام العام" وعرفها البعض بأنها مجموعة القواعد التي توفر الأمن للمجتمع، غير أنها ظلت عبارة فضفاضة.
وجاء في المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أن "لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار، وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام