تثير الأرقام المفزعة في نسب الطلاق مؤخراً، قلقاً بالغاً لدى المجتمع العراقي لما فيه من خطورة مباشرة على استقرار العوائل والأسر، مع استمرار الإهمال الحكومي لأوضاع الشعب ومشاكله ومتطلباته.

وإزاء استفحال هذه الظاهرة تحدث مجلس القضاء الأعلى عنها في بيانات رسمية عدة، عازياً ارتفاع معدل حالات الطلاق في البلاد إلى أسباب اجتماعية واقتصادية، فضلاً عن تدهور الوضع العام وتصاعد نسب البطالة وأزمة السكن.

وأشار القضاء، إلى أن "معالجة ظاهرة الطلاق تتطلب جهدًا كبيرًا وتعاونًا من جميع الجهات المسؤولة إلى جانب دور التشريعات، ولاسيما أن القانون العراقي لا يجرم الطلاق خارج المحكمة".

ودعا إلى "تجريم الطلاق خارج المحكمة، وتشريع قانون يمنع زواج القاصرين، وتغريم من يقوم بهذا الفعل ومعاقبته؛ للحد من حالات الطلاق".

وسجل القضاء العراقي، ستة آلاف و606 حالة طلاق خلال شهر آذار/مارس المنصرم، تضمنت أربعة آلاف و565 حالة تصديق طلاق خارجي، وألفاً و950 حالة تفريق بحكم قضائي، مقابل خمسة آلاف 743 حالة سجلتها في الشهر الذي يسبقه.

وليست هذه المرة الأولى التي تسجل فيها المحاكم العراقية أعداداً كبيرة من حالات الطلاق بين الأزواج؛ إذ إنّ السنوات الخمس الماضية شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في النسب، ما دق ناقوس الخطر لمنظمات المجتمع المدني وناشطين ومحامين، مطالبين السلطات في الدولة بإيجاد المعالجات والحلول ومعرفة المسببات التي أوصلت المجتمع إلى هذه الحال.

 

أسباب ارتفاع حالات الطلاق

تقول لقاء وردي، وهي عضو سابق في مجلس النواب العراقي، إن "هناك عدة أسباب للطلاق ومن أبرزها تأثير العولمة وما يطرح على مواقع التواصل الاجتماعي وعدم إدراك الشباب لماهية الزواج والغاية منه وما يترتب عليه من واجبات وحقوق".

وتضيف وردي خلال حديثها مع "الساعة"، أن "زواج القاصرات وزواج الفصلية على الرغم من محدوديته في المجتمع إلا أنه أحد أسباب تزايد حالات الطلاق، وذلك بسبب الجهل وقلة الوعي فضلاً عن الحالة الاقتصادية المتدنية بين الفئة التي تنتشر فيها هذا النوع من الزواج".

وتتابع وردي، أن "بعض الأهالي قد يلجؤون إلى تزويج ابنتهم للاستفادة المادية منها أو قد تكون تشكل عبء عليهم معتقدين أن زواجها قد يرفع عنهم بعض التكاليف".

وتعلل وردي، أن "السبب الرئيسي لتزايد حالات الطلاق هو جهل الشباب والابتعاد عن الواقع وعدم التثقيف لهذه الفئة قبل الزواج من قبل الأهل والمؤسسات، ما يدفعهم نحو خيار الطلاق في أول مشكلة تعصف بحياتهم الزوجية"، مبينة أن "تزايد نسب الطلاق تؤدي إلى عزوف الكثيرين عن الزواج في الوقت الحالي".

وتضيف أن "المنظمات دورها ساند والعبء الأكبر يقع على عاتق الحكومة وتقصيرها واضح"، فيما تؤكد أن "أغلب حالات العنف الأسري هي بسبب انتشار المخدرات في المجتمع التي لم تستطع الحكومة بمؤسساتها الحد من هذه الظاهرة الخطيرة".

وتبيّن وردي، أن "الدولة تفتقد لمؤسسات فاعلة في المجتمع لرصد الأحداث والمشاكل قبل وقوعها وتكون ذات صلاحيات واسعة لمعالجة هذه المشاكل مع الاستعانة بمنظمات المجتمع الدولي مثل وزارة الهجرة والمهجرين، فهي نشأت للحاجة لها".

ويشترط قانون الأحوال الشخصية في العراق، أهلية الزوجين وإكمالهما سن الـ18 عاماً، وفي حال عدم بلوغ أحدهما السن القانونية يحق للقاضي أن يأذن بعد الاطلاع على أهليته وأخذ موافقة وليه الشرعي.

وفي السياق، يعتبر المحامي مؤيد عبيد، أن "الفقر والحاجة من أهم مسببات تزايد حالات الطلاق فضلاً عن عدم احترام وتقديس الرابطة الزوجية وهي النواة الصلبة للمجتمع العراقي".

ويضيف عبيد في حديثه لـ "الساعة"، أن "العنف الأسري له دور أيضاً في تزايد حالات الطلاق مؤخراً ويعود السبب إلى التنشئة الخاطئة للزوجين المبنية على العنف والحياة الصعبة".

ويوضح عبيد، أن "جهل الزوجين بحقوقهم الشرعية والقانونية يؤدي إلى تعارض التعامل بينهم في حياتهم اليومية فتكون بداية الخلافات بينهم ممهدةً لانهيار حياتهم الزوجية".

ويشير عبيد، إلى أن "تزايد حالات الطلاق تعتبر مهددة لبنية المجتمع بسبب التفكك الأسري، فضلاً عن الحياة الصعبة التي يعيشها الأطفال مفتقرين لأبسط حقوقهم بعيداً عن رعاية والديهم"، مبيناً أن "انهيار النواة الصلبة للعائلة هو بداية لانهيار المجتمع العراقي".

إلى ذلك، تؤكد الناشطة المجتمعية كوثر المحمدي أن "الفقر يتصدر المرتبة الأولى في مسببات الطلاق، وكذلك ضعف التأهيل بالنسبة للأزواج فهم أما يكونوا ذوي سلوك غير سوي اتجاه بعضهم أو اتجاه أطفالهم أو حتى مع أنفسهم".

وفي حديثها مع "الساعة"، تضيف المحمدي أن "المخدرات والخيانة بدأت تعتبر كمنفذ يهرب إليه الاثنان من المشاكل الأسرية على حد سواء مع ارتفاع نسبة سلوكه من قبل الرجال".

وتوضح المحمدي، أن "الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي عصفت بالبلاد لها دور كبير بإحداث فجوة بالتواصل والانسجام بين الأزواج وهو يتفاقم بين سنة وأخرى".

وعن الإجراءات المتخذة، تؤكد المحمدي "سعي منظمات المجتمع المدني لردم الفجوات وإحداث التغييرات، بفتح مراكز استماع وتلقي حالات العنف الأسري واستقبال دعاوي الطلاق ومحاولة الإصلاح بينهم، وكذلك توعية الفتيات على الصحة الانجابية وتمكين النساء من المهارات الحياتية، وكذلك الأمر بالنسبة للدعم الاقتصادي والسعي لتوفير فرص عمل للأسر الفقيرة والشباب العاطل".

وتتفاقم مشكلة ارتفاع حالات الطلاق بالتزامن مع موجات الفقر التي ضربت محافظات عدة، فضلاً عن المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية التي يعاني منها الشعب العراقي على نحو مستمر، وانشغال الحكومة والأحزاب بالصراعات دون أدنى محاولة لمعالجة مشاكل المجتمع.