العراقية زها حديد.. أسطورة الهندسة المعمارية في العالم

2021-01-08 08:45:16

في عالم الرسم والألوان والتكنلوجيا والإبداع والابتكار، تركت العراقية، زها حديد، بصماتها الرائدة في الفن الهندسي المعماري، لتتصدر دول العالم في مجال عملها وكانت فعلاً إضافة نوعية ومصدر إلهام للأجيال بعدها.

ولدت زها محمد حديد في (31 أكتوبر/ تشرين الأول 1950)، في العاصمة العراقية بغداد لعائلةٍ ذات نفوذ؛ فوالدها محمد الحاج حسين حديد، كان رجل أعمال وأحد مؤسسي الحزب الوطني الديمقراطي في العراق، ووالدتها وجيهة الصابونجي كانت فنانة.

ولدت زها في بغداد لأسرةٍ ثرية، وتلَّقت تنشئة مُرَفَّهة مع التحاقها بمدارس داخلية في إنجلترا وسويسرا. وأدركت منذ صغرها أنها ستصبح مشهورةً يومًا ما، فقد كانت ذكيَّة وطموحة. درست الرياضيات بالجامعة الأمريكية في بيروت، قبل أن تنتقل إلى لندن لدراسة الهندسة المعمارية بكلية الجمعية المعمارية هناك عام 1972.

تخرجت حديد، عام 1977، وعملت معيدة في كلية العمارة 1987، وانتظمت كأستاذة زائرة في عدة جامعات في دول أوروبا وأمريكا منها: هارفرد وشيكاغو وهامبورغ وأوهايو وكولومبيا ونيويورك وييل، ثم أسّست لاحقًا في عام 1979 شركة أسمتها: "Zaha Hadid Architects".

تعتبر المعمارية زها حديد، من أفضل المعماريين الذين تواجدوا على الساحة العالمية خلال العقود الأخيرة، وأصبحت أوَّل امرأة عربية تحصل على جائزة بريتزكر المعمارية "Pritzker Architecture Prize"، وهي أهم جائزة تمنح للمعماريين بل وتسمى جائزة نوبل للعمارة.

حظيت حديد على تقدير عالمي واسع لقاء أعمالها المعمارية، واعتبرتها منظمة اليونسكو من فناني السلام، تقديراً لجهودها ودورها في مجال التصميم والإبداع والحوار الفكري العام.

التزمت زها بالمدرسة "التفكيكية"، التي تهتم بالنمط والأسلوب الحديث في التصميم، ونفذت 950 مشروعًا في 44 دولة، وتميزت أعمالها بالخيال؛ حيث إنها تضع تصميماتها في خطوط حرة سائبة لا تحددها خطوط أفقية أو رأسية، كما تميزت أيضًا بالمتانة؛ حيث كانت تستخدم الحديد في تصاميمها. 

وتُعد مشاريع محطة إطفاء الحريق في ألمانيا عام 1993، ومبنى متحف الفن الإيطالي في روما عام 2009، والأمريكي في سينسياتي، وجسر أبو ظبي، ومركز لندن للرياضات البحرية، الذي تم تخصصيه للألعاب الأولمبية التي أقيمت عام 2012، ومحطة الأنفاق في ستراسبورج، والمركز الثقافي في أذربيجان، والمركز العلمي في ولسبورج، ومحطة البواخر في سالرينو، ومركز للتزحلق على الجليد في إنسبروك، ومركز حيدر علييف الثقافي في باكو عام 2013 من أبرز المشاريع، التي أوصلت حديد بجدارة إلى الساحة العالمية.

ترى حديد أن تصاميمها تتفاعل مع المدينة وتمنح الناس مكانًا يتواصلون فيه؛ حيث قالت إن المتابعين لأعمالي يعرفون أن خلق أماكن عامة يمكن للناس استعمالها بحرية، كما تسمح للمدينة بأن تنساب بطريقة سلسة وسهلة، وما ميز هذه التصاميم بأنها اتخذت اتجاهًا معماريًا واضحًا يتكئ على خلفية فنية وفلسفية، لذلك فكانت تجنح لما هو تخيلي وتجريدي.

ووفقًا لتصنيف "جينكز" لعمارة التفكيك، فإن أعمال زها حديد تقع ضمن الاتجاه البنائي الحديث، وتتلخص رؤيتها في أنها تقوم على دعامات عجيبة ومائلة وتتمتع بالانسيابية والتفكيك في تحدي الجاذبية الأرضية من خلال الإصرار على الأسقف والكمرات الطائرة، مع التأكيد على ديناميكية التشكيل، حتى أنه أُطلق على أعمال زها حديد اسم "التجريد الديناميكي".

وعندما سئلت عن أي نصب تذكاري بغدادي تفضل أن يكون "رمزاً إعلامياً لبغداد"، لم تتردد إنها ترى نصب "كهرمانة" الأفضل لأنه يرمز لعصر الرشيد الذهبي في بغداد وقصص ألف ليلة وليلة وهذا مرتبط أساساً بالخيال الجمعي العالمي لبغداد التي كانت تحكم نصف الكرة الأرضية في وقت ما.

قبل شهرتها كمهندسة معمارية، كانت زها حديد تُمارس مهنة ناجحة في التدريس بعدة مؤسسات تعليمية. ولعدة سنوات، كانت لا تحب الطبيعة. وهي طالبة، لم تكن تحب أن تضع أي نباتات طبيعية في أيِّ مكان، لكن لم تمانع أن تضع نباتاتٍ صناعية.

بالإضافة إلى أنها أوَّل امرأة عربية تحصل على جائزة "بريتزكر" في عام 2004، فإنها بدايةً من عام 2000، كانت زها حديد تحصل على جائزة سنويًا، حتى حصلت على 12 جائزة في عامٍ واحد. وخلال حياتها قَدَّمت 950 مشروعًا في 44 دولة مختلفة.

وعن حياتها الشخصية، فلم تتزوَّج زها قط، ولم تُرزَق بأي أطفال، أما من حيث ديانة زها حديد ومعتقداتها وطائفتها الأصلية ، فقد ولدت لعائلة مسلمة سنية. وكَرَّست جُلَّ حياتها لعملها في الهندسة وفنون العمارة.

أنتجت قناة "الجزيرة" القطرية فيلماً وثائقياً عن زها حديد قبل وفاتها بأشهر، وحمل اسم "زها حديد"، وسلط الضوء على حياة المهندسة المعمارية التي تركت بصمة فريدة، وفرضت لغة معمارية خاصة ازدهرت معها هندسة مرهفة وغير تقليدية، بل شكلت انقلاباً على السائد.

وتقول زها حديد في الفيلم الوثائقي: "كنت طفلة فضولية جداً. العراق كان آنذاك مكاناً رائعاً، والناس فيه رائعون، والمجتمع منفتح".

وتضيف: "تعلمت في مدرسة للراهبات، كنت فتاة مسلمة في مدرسة للراهبات، كان وقتاً مثيراً للاهتمام في بغداد آنذاك، كانت الحرية حاضرة بشكل جميل. صغيرة أردت أن أصبح مهندسة، كان لأهلي عقل منفتح، وأنا في الثامنة من عمري كنت أختار ثيابي. سافت إلى لندن عام 1972".

وفي أوائل الثمانينيات عرفت حديد باسم مهندسة الورق، مما يعني أن تصميماتها كانت حداثية وطموحة جدا، بحيث لا يمكن أن تتجاوز مرحلة الرسم، ليتم تنفيذها بالفعل. زاد هذا الانطباع بعدما عرضت تصميماتها بشكل منفصل كلوحات تجريدية ملونة بالمتاحف الكبرى.

حتى بعد أن عززت نفسها في عالم الهندسة المعمارية، واجهت مبانيها مشاكل عدة في مراحل التنفيذ، أبرزها التكلفة المالية العالية لتحويل الرسوم إلى واقع معماري، بالإضافة إلى عدم أخذها في الاعتبار تفاصيل تتعلق بالاستخدام الجماهيري للمباني، الذي يحتاج إلى الوضوح في أماكن الممرات والأبواب، عكس الغموض، الذي يكتنف الكثير من تصميمات حديد.

وتقول حديد إن "المشاريع التي قمت بتنفيذها معقدة في بنائها ولكنك تحتاج إلى مهندسين جيدين ليترجموا أفكارك ورغباتك، وإلى صناع مهرة يفهمون كيف يمكنك أن تجسد تصاميمك".

مؤلف كتاب "سيرة حديد" فيليب جودي ديو، يرى أن المهندسة العراقية حصلت على جائزة برتزكر بسبب أفكارها الطموحة والمبتكرة، فقد كانت تسعى لتغيير العالم من التفكير العادي إلى التفكير الرقمي.

توفيت يوم (31 مارس/ آذار 2016)، عن عُمر ناهز 65 عامًا، إثر إصابتها بأزمة قلبية في إحدى مستشفيات ميامي بالولايات المتحدة.

ونعى مكتبها في لندن، حديد بقولها: "بحزن كبير تؤكد شركة زها حديد للهندسة المعمارية أن زها تُوفيت بشكل مفاجئ في ميامي هذا الصباح، وكانت تعاني من التهاب رئوي أصيبت به مطلع الأسبوع وتعرضت لأزمة قلبية أثناء علاجها في المستشفى".

وفي وقت وفاتها، كانت ثروتها تُقَدَّر بـ215 مليون دولار، شاملة ممتلكاتها العقارية واستثمارتها في الأسهم، ومشاريعها في مجالات التجميل، والمطاعم، وفريق لكرة القدم، والعطور، وخط أزياء.

اخترنا لك

بودكاست
فيديو