الطريق الثالث لميناء الفاو

2020-12-19 13:28:59

عامر الكبيسي

لا يوجد مشروع تنفذه كوريا في العراق ويكتمل، شيء مقصود فهي تنسحب دوماً من مشاريعها وتعاقداتها وتضع ثغرات داخل العقود، خذ غاز عكاز، صناديق الاقتراع، خذ ميناء الفاو خذ بسماية.. كلها انسحابات وترك للنصف أو فشل.

تسليم الميناء للكوريين هدفه أنه لا يكتمل، وتدفع بعض الدول الخارجية حكومة أو جهات العراق للتعاقد مع كوريا لأنها تريده ألا يكتمل لأهداف سياسية واقتصادية، ففي القصة جذر سياسي مريب!

حتى كاسر الأمواج في ميناء الفاو ورغم أنهم لا يعلنون، فإن معلومات شحيحة تقول إنه تعرض للتآكل والكسر والأضرار وسوء إدامة ومتابعة، كما أن إنشاء الكاسر بحد ذاته هو خطأ استراتيجي ضيع علينا المال، وكان يجب دفع المال للرافعات، لأننا نحتاج الكاسر ربما بعض الشهور في السنة فقط، ونحتاج الرافعات كل الوقت، ومن أموال التشغيل الأولي سيخرج المال لبناء الكل مع الأيام ولا نحتاج لأحد.

 أما تسليم الميناء للصينيين في بلد مثل العراق ورغم كل المغريات والبناء الآجل وقوة الشركات الصينية وسعة الخبرة، فهو تسليم سياسي واضح، والسياسة فيه أكبر مما نتوقع، وهو انتصار إيراني على أمريكا بهذا القياس أو هكذا سيفهمه العالم وهكذا تفهمه أمريكا: سلطة في العراق تخضع لإيران تتجاوز حدودها وتجلب الصين، لجر رجل الصين لهذه المياه كندٍ لأمريكا على رأس الخليج بالصميم، وهو ما لم يحصل منذ احتلال بريطانيا لتلك المناطق مطلع القرن الماضي!! وستكون أمريكا عدوا ولن تدعه يمر!

تلك هي القراءة السياسية، فالعراق ليس مثل الكويت وقطر والإمارات حين يتعاقدون مع شركات موانئ صينية، فهذه شركات تنفيذ وتشغيل، أما في العراق فهي سياسة ونفوذ

الميناء سياسة، ويحتاج لقرار كبير على مستوى الشعب، والتسهيلات المقدمة من الشركات الصينية كبيرة جدا، لكنها تمثل خطرا وجوديا وسياسيا، فهل نحن كأمة ندرك العواقب ونمضي؟

ونقول: قررنا الصين! كما فعلت تركيا وربطت بينها وبين الصين سككياً، ثم ربطت الصين مع أوربا من خلالها!

فتركيا دولة متحدة ذات قرار، ودخول الصين من أرضها ليس مؤشراً سياسياً منافساً، رغم أنه مزعج لأمريكا، لكنه محتمل، وأردوغان رجل قوي وخلفه الشعب بشرعية كاملة وانتخابات غير مشكوك فيها، يأخذ التحدي ويفعل ما يخدم شعبه دوما. وقد فعلها.

نحن في زمن يشبه ما بعد الحرب العالمية الأولى، بيد أن تلك الحرب كانت تهتم بالأرض لاستعمارها ونهب خيراتها وجعلها سوقا لبضائع المستعمرين، أما الآن فهي تهتم بالأرض لتكون هذه الأرض طريقاً لغيرها، رحلة خطوط جديدة للبضائع والنفط، ومسارات البضائع سياسة، وحيث امتدت آبار النفط سياسة، فنحن لم نعد مهمين أصلا لتفكر دولة باحتلالنا مثلا، مثل عام 1917، لكننا مهمين جدا لتمر البضائع عن طريقنا!!

يمكن معرفة قيمة أرض العراق بالنظر من السماء إليها وليس من الأرض لتعرف أنها مهمة جغرافيا لكنها قاسية أمنياً.

ويشكل العائق الأمني فرصة لدول أخرى لتكون بديلا عنّا في طرق تجارة الصين والعالم! فإذا كنا منطقة خطرة، ويمكن الاعتداء فيها على القطار أو القناة الجافة مثلا من العشائر أو المليشيات أو داعش أو حتى الحكومة أو لصوص!! فهذا سيعيد قراءة الساحة والمشروع! ويقررون أننا لا نصلح.

ولو أردنا العيش بسلام، ففي الحقيقة نحن لا نصلح لقفزة بهذا الحجم لنكون جزءا من طريق الصين والتجارة!! فنحن حاليا في العرف السياسي لسنا أكثر من سلطة مضطربة في السياسة والاقتصاد والأمن على مساحات مبعثرة من تراب الوطن، ولسنا دولة قادرة على احترام قراراتها.

لذلك لابد من مناقشة قرار ميناء الفاو على المستوى الوطني، حتى نمضي بطريق ثالث، لا كوريا ولا الصين.

الطريق الثالث هو مشاركة الشعب في بناء الميناء، وأتحدث عن ذلك لاحقاً.

اخترنا لك

بودكاست
فيديو