"داعش" في العراق وسوريا.. تهديد محدود ونفوذ متراجع

2022-07-26 04:08:38

الكاتب: رائد الحامد

بعد خسارة داعش جميع مراكزه الحضرية بالعراق وسوريا في مارس/ آذار 2019، بدأ التنظيم الإرهابي اتّباع استراتيجيات جديدة.

وتعتمد تلك الاستراتيجيات على المزاوجة بين الهجمات بمجموعات صغيرة متنقلة في مناطق هشّة أمنياً، وعمليات أمنية وعسكرية تتمثل في زرع عبوّات ناسفة وهجمات انتحارية وتخريب البنية التحتية للضغط على الحكومات.

تهديد محدود

تهديدات داعش لم تختفِ بإعلان بغداد "النصر" واستعادة جميع مناطق سيطرة التنظيم بحلول ديسمبر/ كانون الأول 2017، وإعلان الولايات المتحدة التي تقود تحالفاً دولياً من نحو 80 دولة ومنظمة انتهاء العمليات القتالية في العراق.

فبعض المناطق من محافظات ديالى وكركوك والأنبار ونينوى وصلاح الدين وأخرى قريبة من العاصمة بغداد، ما زالت تقع ضمن دائرة التهديدات الأمنية من جانب مقاتلي التنظيم.

ذلك أن عناصر داعشية ما زالت تنشط بتنفيذ هجماتٍ تستهدف في الغالب القوات الأمنية وقوات البيشمركة الكردية والحشد الشعبيّ، ما يسفر عن سقوط قتلى وجرحى بعضهم من المدنيين.

في المقابل، تواصل القوات الأمنية بمشاركة فصائل الحشد الشعبيّ، تنفيذ عمليات أمنية متتالية في مناطق التهديدات للحدّ من مخاطر هجمات التنظيم وإضعافه لمنع عودته إلى المدن.

ومؤخراً، نفّذت قوات أمنية عمليات ملاحقة لمقاتلي التنظيم واستهدفت مناطق وجودهم في صحراء نينوى والأنبار وفي سلاسل جبال حمرين ومخمور ومكحول بمحافظات ديالى وصلاح الدين وكركوك، وفي أطراف سامرّاء شمال بغداد ومناطق أخرى.

وفيما هدفت العمليات الأمنية إلى تفكيك مجموعات داعش واعتقال أو قتل عناصره، وتدمير مخابئه ومخازن أسلحته وأنفاقه لتقويض قدراته القتالية والبشرية، واجهها التنظيم بتكثيف هجماته في محيط سامرّاء وشمال بغداد وفي جبال مخمور وكركوك وغيرها.

في سامرّاء، أعلنت الجهات الأمنية العراقية عن هجوم نفّذه 10 إلى 15 إرهابياً من "داعش" في 20 يوليو/ تموز الجاري، أسفر عن مقتل 6 عناصر من قوات الشرطة الاتحادية وإصابة 7 آخرين.

هجوم سامرّاء جاء بعد يومين من حملةٍ أمنية في المنطقة، أدّت إلى السيطرة على عتادٍ يحوي نحو 300 قاذفة آر بي جي-7، و35 ركيزة هاون، و32 قذيفة هاون عيار 60 ملم.

وفجر الاثنين 25 يوليو، زادت وتيرة هجمات التنظيم ضمن قاطع سامرّاء نفسه، حيث قُتل عنصران من سرايا السلام التابعة للتيار الصدريّ الذي تسيطر قواته الأمنية على جزء مهمّ من المدينة.

وخلال الأشهر الأخيرة التي تلت مقتل أمير داعش أبو إبراهيم القرشي في فبراير/ شباط الماضي، بإنزال جوي أمريكي في سوريا، كثّفت القوات الأمنية العراقية حملات اعتقال وقتل المزيد من قيادات وكوادر التنظيم في العراق.

وتعمل الولايات المتحدة بالتنسيق مع العراق، على زيادة العلاقات الأمنية والعسكرية بينهما، لمنع أيّ عودة محتملة للتنظيم، وذلك بموجب اتفاقية جديدة وقّعها رئيسا وزراء البلدين، على هامش قمّة جدة التي استضافتها السعودية في 16 يوليو الجاري.

ووفق اتفاقية الإطار الاستراتيجي، أكد الجانبان التزامهما بالشراكة الثنائية القوية، وتصميمهما على مواصلة التنسيق الأمنيّ لضمان عدم عودة داعش.

من وجهة النظر الأمريكية، لا يزال التنظيم يحتفظ بوجوده في العراق ويشكل تهديداً لأمنه واستقراره من خلال تجنيد عناصر جديدة في معسكرات خاصة في سوريا.

وفي تقرير أصدره مطلع العام الحالي، أشار مجلس الأمن الدوليّ إلى أن التنظيم حافظ على قدرته على شنّ الهجمات بمعدل ثابت في العراق، لجهة عمليات الكرّ والفرّ ونصب الكمائن وزرع القنابل في محافظات ديالى وكركوك وصلاح الدين.

استمرار التهديد

لكن المتحدث باسم قيادة العمليات المشتركة يعتقد أن تحركات التنظيم لا تمثل أي مخاطر على الأمن في العراق، نتيجة الضربات الجوية المتلاحقة التي ينفذها الطيران الأمريكي في العراق وسوريا، ما أدّى إلى التخلص من الكثير من مخابئه وشللٍ كبير في صفوفه وقطع خطوط الإمداد بين العناصر في سوريا وبعض الفلول في العراق.

ويركز داعش نشاطاته على المناطق الريفية والصحراوية النائية على الحدود العراقية السورية غرب وشمال غربي العراق، والمناطق المتنازع عليها بين الحكومة المركزية وحكومة إقليم كردستان في محافظتي كركوك ونينوى.

وبالواقع، لا يزال التنظيم إلى حدٍّ ما يحتفظ بهيكلة له في العراق، لكنها أقلّ قوةً وقدرةً من نظيرتها في سوريا، فهو يفتقد إلى مساحات نفوذ خاضعة لسيطرته النارية، كما هو الحال في سوريا حيث يفرض سيطرته على مساحات واسعة من صحراء وبادية محافظتي حمص ودير الزور.

إلا أنه لم يعد يمتلك ما يكفي من القدرات لتنفيذ عمليات نوعية تستهدف الأمن الوطني أو الإقليمي، باستثناء هجمات نادرة مثل اقتحام سجن الصناعة في الحسكة شمال شرقي سوريا.

ويحتفظ داعش الذي فقد العديد من كبار قياديي الصف الأول خلال هذا العام، بقدراتٍ متواضعة على تجنيد مقاتلين جدد، فيما تشير تقارير أممية إلى تراجع قدراته المالية إلى مستويات متدنية، قُدّرت بنحو 25 مليون دولار سنوياً للإنفاق على جميع "ولايات" التنظيم التي تمتدّ إلى جنوب شرقيّ آسيا ووسطها وإلى شمال إفريقيا.

فقدان السيطرة على المراكز الحضرية، أجبر التنظيم على تخفيف أعباء النفقات المالية والتشغيلية اللازمة للخدمات وإدارة المناطق ورواتب مقاتليه، وساهم بإعفاء المئات أو الآلاف من مقاتليه من المهام الإدارية والأمنية، للتفرغ للعمل القتالي.

حرب استنزاف

تعتمد وتيرة عمليات التنظيم صعوداً أو نزولاً، على استغلال الثغرات الأمنية لاستهداف القوات الأمنية وفصائل الحشدين الشعبي والعشائريّ أو المتعاونين معهما.

ويساعد في ذلك قدرات التنظيم على تمويل نشاطاته العسكرية، إضافةً إلى وفرة العنصر البشريّ الذي هو الأهمّ بالنسبة له ما يجعله أكثر حرصاً على الحفاظ على مقاتليه.

لكنه في الفترة الأخيرة، واجه صعوبات في عملية تجنيد مقاتلين جدد، بعد فقدانه الكثير من "التأييد" في أوساط المجتمعات السنّية التي خضعت لسيطرته بين عامي 2014 و2018.

يعود ذلك لأسباب كثيرة منها افتقاره إلى صيغ التعامل مع السكان الذين خضعوا لسلطاته، وفرضه بشكلٍ متسرّع فهمه الخاص للإسلام والإجراءات العقابية المشددة على المتعاونين مع الحكومة أو المخالفين لنمط العيش الذي فرضه.

يأتي ذلك جنباً إلى جنب مع افتقار التنظيم إلى الإيرادات المالية اللازمة وعجزه عن تعويض خسائره البشرية، خاصة على مستوى القيادات.

لكن ذلك قد لا يعني بالضرورة أن داعش خسر بيئته الاجتماعية بشكل كامل، وأنه يمكن الحسم بأن عملية تقويضه قد أُنجزت.

يمكن التأكيد أن داعش يمر بظروف غاية في التعقيد، خاصة بعد مقتل أميره أبي بكر البغدادي في أكتوبر/ تشرين الأول 2019، وهو الذي أعلن دولة "الخلافة الإسلامية" في يونيو/ حزيران 2014 من الموصل، ومقتل خليفته أبي إبراهيم الهاشمي القريشي في فبراير 2022.

وفي محاولةٍ لإبقاء وجوده وتأثيره، يخوض التنظيم منذ ربيع 2019 حرب استنزاف، يراهن عليها من خلال إيقاع أكبر قدرٍ ممكن من الخسائر البشرية في صفوف القوات الأمنية والحشدين العشائريّ والشعبيّ.

ومن جهة أخرى، يراهن على إيقاع أكبر قدر من الخسائر المادية في الآليات والمعدّات، وصولاً إلى استنزاف الموارد الأساسية للدولة العراقية.


المصدر: وكالة الأناضول

اخترنا لك