العراق.. مستقبل المالكي على المحك بعد التسريبات وسجال الصدر

2022-07-19 23:51:08

الكاتب: رائد الحامد

بعد أن استقال نواب الكتلة الصدرية الـ73 من البرلمان العراقي، في 12 يونيو/ حزيران الماضي، اقتربت القوى السياسية من الخروج من الأزمة، والاتفاق على تشكيل حكومة يقودها تحالف قوى "الإطار التنسيقي" بعد أكثر من ثمانية أشهر على الانتخابات البرلمانية في أكتوبر/ تشرين الأول 2021.
لكن الآن يتجه عموم المشهد السياسي نحو المزيد من التعقيد على خلفية سجالات حادة في أعقاب تسريبات صوتية منسوبة لرئيس ائتلاف "دولة القانون" رئيس الوزراء الأسبق (2006-2014) نوري المالكي، ما يهدد بدخول العراق في نفق الاقتتال الداخلي.
وانشغل العراقيون، خلال الأيام الأخيرة، باهتمام كبير وعلى مختلف المستويات السياسية والإعلامية والاجتماعية بتسجيلات مسربة منسوبة للمالكي مع شخصيات قيادية في المشهدين الأمني والسياسي (لم تتضح هوياتهم)، بينما نفى المالكي وحزب الدعوة الإسلامية الذي يقوده أكثر من مرة صحة التسجيلات.
وأمس الثلاثاء، أعلن القضاء العراقي فتح تحقيق في هذه التسريبات، وذلك بعد تقارير إعلامية محلية عن تقديم شكاوى إلى الجهات القضائية تتهم المالكي بتهديد الأمن الداخلي والسلم المجتمعي.
وهذه التسريبات بأجزائها الخمسة نشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي علي فاضل، وهو ناشط عراقي مقيم خارج البلاد،  وتمثل جانبا من تسجيل مدته نحو 90 دقيقة، بحسب فاضل.
وتتضمن التسجيلات هجوما "مزعوما" ورد على لسان المالكي على مدينة النجف (جنوب) مقر إقامة زعيم التيار الصدري مقتدى الصدري، بالإضافة إلى إساءات لسمعة "الحشد الشعبي" والقوات الأمنية.
كما تتضمن حديثا عن ضلوع في مؤامرة بالتنسيق مع إحدى المرجعيات الشيعية الإيرانية لافتعال اقتتال داخلي من خلال تهديده بتسليح بين 10 و15 مجموعة لاقتحام النجف، بجانب قضايا أخرى لا تزال قيد اهتمامات الشارع العراقي مع تخوف قيادات المجتمع من الانحدار نحو اقتتال داخلي.
ويرى خبراء أن هذه التسجيلات أطاحت بأي فرصة لترشيح المالكي لرئاسة الحكومة المقبلة في هذا التوقيت على الأقل، فيما يرى آخرون أنها قضت على مستقبله السياسي، بل وتهدد وجود حزبه الدعوة الإسلامية ومستقبله ووحدته.
وحظيت التسجيلات باهتمام التيار الصدري ورئيسه الذي أشار إليها عبر تغريدات أحدثها الاثنين 18 يوليو/ تموز الجاري، ودعا فيها المالكي إلى "الاعتكاف" واعتزال الحياة السياسية.
واعتبر الصدر أن المالكي لا يمكنه قيادة العراق بعد التسريبات والأفكار "الهدامة" التي تضمنتها، وبالتالي عليه الاعتذار من الشعب العراقي وتسليم نفسه إلى الجهات القضائية.
وبهدف "إطفاء الفتنة"، دعا الصدر كبار "عشيرة" المالكي وقيادات حزبه وقوى "الإطار التنسيقي" المتحالفة معه إلى إصدار "استنكار مشترك" لما تضمنته التسجيلات المنسوبة إليه.
وتتخوف عشائر وسط وجنوب العراق، التي تدعو إلى التهدئة، من تداعيات الخلافات بين الصدر والمالكي واحتمالات الدخول في اقتتال داخلي وانعكاسات ذلك على المجتمعات المحلية.
وإثر عدم تمكنها من تشكيل حكومة أغلبية وطنية، جراء رفض قوى "الإطار التنسيقي"، قدمت الكتلة البرلمانية للتيار الصدري استقالتها من البرلمان وبات "الإطار التنسيقي" يمتلك أغلبية برلمانية تتيح له تشكيل الحكومة.
ومنذ الاستقالة، شهدت الساحة السياسية حراكا غير مسبوق عبر سلسلة من الاجتماعات لقيادات قوى "الإطار التنسيقي" واجتماعات أخرى بين هذه القيادات وقيادات من الكتل السياسية الأخرى، على أمل التوافق لانتخاب رئيس للجمهورية وتسمية مرشح "الإطار" لرئاسة الحكومة المقبلة.
وأعلنت قوى "الإطار التنسيقي"، أكثر من مرة، أنها بصدد إعلان مرشحها لرئاسة الحكومة خلال ساعات أو أيام، لكنها لم تف بوعودها في ظل تقارير إعلامية عن خلافات داخلية حول تسمية مرشحها.
وعلى ما يبدو فإن التسريبات أتاحت للصدر فرصة "الإطاحة" بطموحات المالكي "عدوه" التقليدي لرئاسة الحكومة، بل وإخراجه من المشهد السياسي.
وشهدت محافظات في وسط وجنوب العراق احتجاجات أمام مقرات ومكاتب حزب الدعوة مؤيدة للصدر ومناوئة للمالكي، ما دفع صالح محمد العراقي، الذي يوصف بأنه "وزير الصدر"، إلى دعوة أنصار التيار الصدري لوقف احتجاجاتهم.
ويرى مؤيدون للمالكي وأعضاء في حزب الدعوة أن توقيت التسريبات له هدف واضح ومحدد وهو إبعاد المالكي وحزبه عن تشكيل الحكومة، وهو أحد أهداف التيار الصدري الذي عرقل تشكيل الحكومة لأكثر من ثمانية أشهر لرفضه إشراك المالكي وحزبه في أي تحالف أو كتلة تقود الحكومة.
ويُنظر إلى المالكي على أنه الرجل الأقوى والأكثر نفوذا داخل قوى "الإطار التنسيقي" وظل يمتلك جزءا من قرار الدولة ونفوذا واسعا في المؤسستين الأمنية والعسكرية.
وفي أوساط فصائل "الحشد الشعبي" والمجموعات الشيعية المسلحة الحليفة لإيران لا يزال المالكي يحتفظ بعلاقات جيدة مع مراكز صنع القرار فيها، مكتب المرشد الأعلى الإيراني والحرس الثوري ووزارة الأمن والاستخبارات.
ويمر عموم "البيت الشيعي" في العراق بحالة من التشظي والانقسامات السياسية غير المسبوقة داخل قوى "الإطار التنسيقي" وخارجها، إضافة إلى حالة من "الخصومة" المعلنة بين التيار الصدري ومعظم قوى "الإطار"، الذي يمثل التجمع الأوسع للقوى الشيعية المسلحة والسياسية خارج التيار الصدري وقوى أخرى ليست ذات ثقل.
وتعود الخلافات والعداء بين الصدر والمالكي إلى سنوات الاحتلال الأمريكي للعراق عندما شغل المالكي منصب رئيس الوزراء في ولايته الأولى (2006- 2010) وقاد خلال الأشهر الأولى من 2008 حملة عسكرية لفرض القانون بدعم من القوات الأمريكية، تحت مسمى "صولة الفرسان" لفرض القانون في البصرة ومحافظات الجنوب الأخرى.
وهذه الحملة استهدفت "جيش المهدي"، الجناح المسلح للتيار الصدري، الذي أُرغم على تسليم أسلحته ومقراته والخروج من البصرة التي كان يتحكم في ملفاتها الأمنية والاقتصادية بشكل واسع.
وبنهاية نفوذ "جيش المهدي" في جنوب العراق وإعلان الصدر تفكيكه، في أبريل/ نيسان 2008، انتهت الحرب الأهلية في البلاد التي اندلعت بعد تفجيرات مدينة سامراء في فبراير/ شباط 2006.
ومن أبرز ما جاء في التسريبات "المنسوبة" للمالكي الدفع نحو الاقتتال الداخلي ومهاجمة الصدر وإسقاط مشروعه هو وحليفاه الحزب الوطني الكردستاني وتحالف السيادة، وهو رهان يرى المالكي أنه سيُبعد العراق عن "الدائرة الحمراء".
واتهم المالكي، وفق التسريبات، الصدر بقتل "المدنيين" في العاصمة بغداد أثناء الحرب الأهلية (2006-2008)، ووصفه بأنه "جاهل لا يفهم بالسياسة"، ما أثار غضب رئيس التيار الصدري ومؤيديه.
وتحاول قوى محلية اجتماعية وسياسية احتواء الخلافات وتجنيب العراق الدخول في اقتتال داخلي على خلفية زيادة حدة التوترات بين مؤيدي التيار الصدري ومؤيدي حزب الدعوة الإسلامية.
ومن المستبعد أن يشهد العراق أي شكل من أشكال الاقتتال بين القوى الشيعية الفاعلة في المدى المنظور على خلفية التسريبات التي ينفي المالكي وحزب الدعوة صحتها وفتح القضاء تحقيقا فيها تحت ضغط الصدر وأنصاره.
لكن في كل الأحوال، فإن التسريبات أضافت المزيد من التعقيد في المشهد السياسي وباتت مسألة تشكيل الحكومة أكثر تعقيدا مع فشل قوى "الإطار التنسيقي" في أحدث اجتماعاتهما أمس الثلاثاء، في الاتفاق على مرشح لرئاسة الحكومة، بالرغم من وعود عديدة من قيادات "الإطار" بقرب تسمية مرشحهم.

اخترنا لك